ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

فلما أحسُّوا بأسنا أي : أدركوا عذابنا الشديد إدراك المشاهدَ المحسوس إِذا هم منها أي : من القرية يركُضُون : يهربون مدبرين راكضين دوابهم. فقيل لهم، بلسان الحال أو المقال من الملَك، أو ممن حضرهم من المؤمنين، بطريق الاستهزاء والتوبيخ : لا تركُضُوا وارجعوا إِلى ما أُتْرفْتُم فيه .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها، أي : ما فيها من الشكوك والأوهام، كانت ظالمة بتلك الخواطر، فأخرجناهم منها، وأنشأنا بعدها أنوارًا وأسرارًا وعلومًا آخرين. فلما أحسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها، التي تأتي من حضرة القهار، إذا هم منها يركضون ؛ لأن الواردات الإلهية تأتي من حضرة القهار، لأجل ذلك لا تصادم شيئًا من الظلمات إلا دمغته، فيقال لتلك الظلمات، التي هي الشكوك والأوهام : لا تركضوا، ولكن ارجعوا أنوارًا، وانقلبوا وارداتٍ وأسرارًا، وتنعموا في محلكم بشهود الحق، لعلكم تُسألون، أي : تُسْتَفْتَوْنَ في الأمور، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم، وفي الأمور التي تعرض، قالوا بلسان الحال -أي تلك الظلمات- : يا ويلنا إنا كنا ظالمين ؛ بحجب صاحبنا عن الله، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين، هامدين، ساكنين تحت مجاري الأقدار، مطمئنين بالله الواحد القهار، وهذه إشارة دقيقة، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير