فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ أي : عذابنا بحاسة البصر إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ أي : يسرعون هاربين.
والركض ضرب الدابة بالرجل، يقال : ركض١ الدابة يركضها ركضاً٢، ومنه قوله تعالى :«ارْكُضْ بِرِجْلِكَ »٣. فيجوز أن يركبوا دوابّهم فيركضوها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم٤ بالراكبين الراكضين٥.
قوله :«إِذَا هًمْ » :«إذَا » هذه فجائية، وتقدم الخلاف فيها٦.
و «هُمْ » مبتدأ، و «يَرْكُضُونَ » خبره٧. وتقدم أول الكتاب٨ أن أمثال هذه الآية دالة على أن «لمَّا »٩ ليست ظرفية١٠ بل حرف وجوب لوجوب١١، لأن الظرف لا بد له من عامل، ولا عامل هنا، لأن ما بعد «إذا » لا يعمل فيما قبلها. والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجَأة المدلول عليه ب «إِذَا »١٢.
والضمير في «مِنْهَا » يعود على «قَرْيَةٍ »، ويجوز أن يعود على «بَْسَنَا » لأنه في معنى النقمة والبأساء، فأنث الضمير حملاً على المعنى١٣. و «مِنْ » على الأول١٤ لابتداء الغاية، وللتعليل على الثاني١٥.
قوله :
٢ اللسان (ركض)..
٣ من قوله تعالى: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب [ص: ٤٢]..
٤ على أرجلهم: سقط من ب..
٥ وحذف المشبه. انظر الكشاف ٣/٥، والفخر الرازي ٢٢/١٤٦..
٦ عند قوله تعالى: فإذا هم مبلسون [الأنعام: ٤٤]، وذكر هناك: إذا هي الفجائية، وفيها ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه أنها ظرف مكان، ومذهب جماعة منهم الرياشي أنها ظرف زمان، ومذهب الكوفيين أنها حرف، فعلى تقدير كونها ظرفا زمانا أو مكانا فالناصب لها خبر المبتدأ، أي: ألبسوا في مكان إقامتهم أو زمانها. انظر اللباب ٣/٤١٧٤..
٧ انظر التبيان ٢/٩١٣..
٨ عند قوله تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم [البقرة: ٨٩] انظر اللباب ١/١٢٠..
٩ في ب: على أنها..
١٠ قال بظرفيتها ابن السراج وتبعه الفارسي وابن جني وجماعة، فهي عندهم ظرف بمعنى (حين)، وقال ابن مالك "إذ" وهو حسن، لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة، والعامل فيها على الظرفية جوابها. انظر المغني ١/٣٨٠، الهمع ١/٢١٥..
١١ وهو رأي الجمهور، لأنها عندما تدخل على الماضي تقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو لما جاءني أكرمته. ويكون جوابهما فعلا ماضيا اتفاقا نحو قوله تعالى: فلما نجاكم إلى البر أعرضتم [الإسراء: ٦٧] وجملة اسمية مقرونة بـ "إذا" الفجائية نحو قوله تعالى: فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون [العنكبوت: ٦٥]. أو بالفاء عند ابن مالك نحو قوله تعالى: فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد [لقمان: ٣٢]، وقيل: إن الجواب محذوف، أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد. وفعلا مضارعا عند ابن عصفور نحو قوله تعالى: فلما ذهب عن إبراهيم الرّوع وجاءته البشرى يجادلنا [هود: ٧٤]، وهو مؤول بجادلنا وقيل إن الجواب (جاءته البشرى) على زيادة الواو، أو محذوف، أي: أقبل يجادلنا، انظر المغني ١/٢٨٠-٢٨١..
١٢ هذا الجواب يدل على أن ابن عادل أخذ برأي ابن السراج ومن تبعه في أن (لمّا) ظرفية..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٠..
١٤ وهو عود الضمير على "قرية"..
١٥ وهو عود الضمير على "بأسنا"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود