ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

قوله١ : فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ اسم «زالت » «تلك » و «دعواهم » الخبر هذا هو الصواب٢. وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء : يجوز العكس٣، وهو مردود بأنه إذا أخفي الإعراب مع استوائهما في المسوغ لكون كل منهما اسماً أو خبراً، وجب جعل المتقدم اسماً والمتأخر خبراً، وهو من باب ضرب موسى عيسى٤ وتقدم إيضاح هذا في أول سورة الأعراف٥ فليلتفت إليه. و «تلك » إشارة إلى الجملة المقولة٦. قال الزمخشري :«تلك » إشارة إلى «يَا وَيْلَنَا » لأنها دعوى، كأنه قيل : فما زالت تلك الدعوى دعواهم، والدعوى بمعنى الدعوة، قال تعالى : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ٧ ٨. وسميت دعوى، لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا :«يا ويلنا ». قال المفسرون : لم يزالون يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ٩ ١٠. «حتى جعلناهم حصيدا » الحصيد : الزرع المحصود، أي جعلناهم مثل الحصيد، شبههم في استئصالهم به، كما تقول : جعلناهم رماداً أي : مثل الرماد١١ قوله :«حَصِيداً » مفعول ثان، لأن الجعل هنا تصيير١٢. فإن قيل : كيف ينصب «جعل » ثلاثة مفاعيل ؟ فالجواب أن «حصيداً » و «خامدين » يجوز أن يكون من باب حلو حامض١٣، كأنه قيل : جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعاً١٤. ويجوز أن يكون «خامدين » حالاً من الضمير في «جَعَلْنَاهُمْ »١٥، أو من الضمير المستكن في «حَصِيداً » فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون في باب ما تعدد فيه الخبر نحو :«زيد كاتب شاعر »١٦. وجوَّز أبو البقاء فيه أيضاً أن يكون صفة ل «حصيدا »، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم يجمع١٧. وقال أبو البقاء : والتقدير : مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع «مثل » المقدر١٨ انتهى.
وإذا كان بمعنى محصودين١٩ فلا حاجة، والمعنى : أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار٢٠.

١ قوله: سقط من الأصل..
٢ لخفاء الإعراب، لأن إعراب مقدر فيهما، ولا قرينة الاسم من الخبر..
٣ وهو كون "تلك" خبر "زالت" و"دعواهم" اسمها. وانظر الكشاف ٣/٥، التبيان ٢/٩١٣. وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء قاله الزجاج قبلهم حيث قال: (يجوز أن تكون "تلك" في موضع رفع اسم "زالت" و "دعواهم" في موضع نصب خبر "زالت" وجائز أن يكون "دعواهم" الاسم في موضع رفع، و"تلك" في موضع نصب على الخبر للاختلاف بين النحويين في ذلك) معاني وإعرابه ٣/٣٨٦..
٤ أي أن اسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول، فكما لا يجوز في باب تقديم المفعول على الفاعل عند خوف اللبس. لا يجوز ذلك في باب كان، فإذا قلت: كان موسى أخي لم يجز في موسى إلا أن يكون اسم كان وأخي الخبر، كقولك ضرب موسى عيسى، فموسى الفاعل وعيسى المفعول، هذا ما ذهب إليه المتأخرون ولم ينازع في ذلك منهم إلا ابن الحاج فأجاز أن يكون المتقدم هو المفعول والمتأخر هو الفاعل وإن ألبس. فعلى هذا يتعين أن تكون "تلك" اسم "زالت" و"دعواهم" الخبر. البحر المحيط ٦/٣٠١، شرح الأشموني ٢/٥٦..
٥ عند قوله تعالى: فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا [الأعراف: ٥]. وذكر هنا ما ملخصه أنهم جوزوا في "دعواهم" وجهين: أحدهما: أن يكون اسما لـ (كان)، و"إلا أن قالوا" خبرها، والثاني: أن يكون "دعواهم" خبرا مقدما، و"إلا أن قالوا" اسما مؤخر، قال ذلك الفراء والزجاج ومكي والزمخشري، ولكن ذلك يشكل من قاعدة ذكرها النحاة، وهو أن الاسم والخبر في هذا الباب متى خفي في إعرابهما وجب تقديم الاسم وتأخير الخبر نحو كان موسى صاحبي، قالوا: لأنهما كالمفعول والفاعل، فمتى خفي الإعراب التزم كل في مرتبته. انظر اللباب ٤/٧..
٦ [الأعراف: ١٤] وهي قوله تعالى: يا ولينا إنا كنا ظالمين..
٧ [يونس: ١٠]..
٨ الكشاف ٣/٥، أي أن الدعوى تصلح أن تكون في معنى الدعاء، حكى ذلك سيبويه في باب ما جاء من المصادر وفيه ألف التأنيث حيث قال: (وأما الدعوى فهو ما ادعيت، وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين، وقال سبحانه وتعالى: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وقال بشير بن النكث: ولت ودعواها كثير صحبه. فدخلت الألف كدخول الهاء في المصادر) الكتاب ٤/٤٠-٤١..
٩ [غافر: ٨٥]..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٦..
١١ انظر الكشاف ٣/٥/ الفخر الرازي ٢٢/١٤٧..
١٢ انظر التبيان ٢/٩١٣..
١٣ أي أنهما في معنى المفعول الواحد..
١٤ انظر الكشاف ٣/٥، التبيان ٢/٩١٣..
١٥ قاله الحوفي. البحر المحيط ٦/٣٠١..
١٦ أي أن الضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ، والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليهما "جعل" نصبهم جميعا على المفعولية..
١٧ وفعيل بمعنى مفعول يستوي في الوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث تشبيها له بالمصدر على حد قوله تعالى: والملائكة بعد ذلك ظهير [التحريم: ٤]. انظر التبيان ٢/٩١٣.
شرح الأشموني ١/١٩٢..

١٨ التبيان ٢/٩١٣..
١٩ في ب: المحصودين..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٧..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية