ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

قوله : بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل . «بَل » حرف إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه لذاته كأنه قال : سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من موجب حكمتنا أن نغلب١ اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق٢.
والمعنى دع الذي قالوا فإنه كذب وباطل. و «نقذف » نرمي ونسلط قال تعالى : وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً ٣ أي يرمون بالشهب. «بالحق » بالإيمان، «على الباطل » على الكفر وقيل : الحق قول الله : إنه لا ولد له، والباطل قولهم : اتخذ الله ولداً. قوله :«فَيَدْمَغُه » العامة على رفع الغين نسقاً على ما قبله. وقرأ عيسى بن عمر بنصبها٤ قال الزمخشري٥ : وهو في ضعف قوله :

٣٧٠٥- سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم وأَلْحَقُ بالحجاز فَأَسْتَرِيحَا٦
وقرئ شاذاً «فيدمغه » بضم الميم٧، وهي محتملة لأن يكون في المضارع لأن يكون لغتان في المضارع لغتان يَفْعَل ويَفْعُل، وأن يكون الأصل والضمة للإتباع في حرف الحلق٨.
و «يدمَغُه » أي يصيب دماغه من قولهم : دمغت الرجل، أي ضربته في دماغه كقولهم : رأسه وكبده ورجله، إذا أصاب منه٩ هذه الأعضاء. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ١٠. واستعار القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه : أهلكه وأذهبه١١ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ذاهب، وَلَكُمُ الويل يعني من كذب الرسول ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وغير ذلك من الأباطيل.
قوله : مِمَّا تَصِفُونَ فيه أوجه :
أحدهما : أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي : استقر لكم الويل من أجل ما تصفون. و «مِنْ » تعليلية. وهذا وجه وجيه.
والثاني : أنه متعلق بمحذوف.
والثالث : أنه حال من الويل، أي : الويل واقعاً مما تصفون، كذا قدره أبو البقاء١٢ و «مَا » في «ممَّا تَصِفُونَ » يجوز أن تكون مصدرية١٣ فلا عائد عند الجمهور١٤، وأن تكون بمعنى الذي١٥، أو نكرة موصوفة١٦، ولا بد من العائد عند الجميع١٧، حذف لاستكماله الشروط١٨. والمعنى : ممّا تصفون الله بما لا يليق به من الصاحبة١٩ والولد٢٠. وقال مجاهد : مما تكذبون٢١.
١ في ب: تقلب..
٢ انظر الكشاف ٣/٦، الفخر الرازي ٢٢/١٤٧-١٤٨..
٣ من قوله تعالى: لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب [الصافات: ٨، ٩]..
٤ في ب: ينصبهما. وهو تحريف. وقد وجه أبو البقاء قراءة النصب بأن الحمل فيه على المعنى أي بالحق فالدفع. انظر المختصر (٩١)، والتبيان ٢/٩١٣، والبحر المحيط ٦/٣٠٢..
٥ الكشاف ٣/٦..
٦ البيت من بحر الوافر للمغيرة بن حبناء، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. والشاهد فيه قوله :(فأستريحا) حيث نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية مع أنها ليست مسبوقة بطلب أو نفي وهذا ضرورة. وقيل: إن الفعل مؤكد بنون التوكيد الخفيفة على حد قوله تعالى: لنسفعا [العلق: ١٥] وعلى هذا فالفعل مبني لا معرب. وقد تقدم..
٧ انظر الكشاف ٣/٦، البحر المحيط ٦/٣٠٢..
٨ مضارع (فعل) بفتح العين يجيء على ثلاثة أوجه: أحدها(يفعل) بكسر العين نحو ضرب يضرب. والثاني (يفعل) بضم العين نحو نصر ينصر.
وهل القياس الكسر أو الضم؟ فيه خلاف فعند أبي زيد هما سواء وكثرة أحدهما ترجع إلى الاستعمال، وقال بعضهم: القياس الكسر، لأنه أكثر، وأيضا هو أخف من الضم. والثالث (يفعل) بفتح العين، ولا يكون إلا وموضع عينه أو لامه حرف من أحرف الحلق نحو ذهب يذهب، ومدح يمدح وذلك لأن أحرف الحلق سافلة في الحلق يتعسر النطق بها فأرادوا أن يكون قبلها إن كانت لاما أو بعدها إن كانت عينا الفتحة التي هي جزء الألف التي هي أخف الحروف، فتعدل خفتها ثقلها فيسهل النطق بأحرف الحلق الصعبة وهذا غير لازم، بدليل ما جاء منه على الأصل نحو برأ يبرؤ وهنأ يهنئ. فعلى هذا يكون مضارع دفع يدفع بفتح الميم، لأن لام الفعل حرف حلقي، وهذا هو الأصل في مضارعه. وتكون قراءة "فيدفعه" بضم الميم محتملة لعدم لزوم الفتح في الحلقي وأن يكون ضم الميم إتباعا لضم حرف الحلق وهو لام الفعل انظر نزهة الطرف في علم الصرف ٩٨- ١٠٠، وشرح الشافية ١/١١٧-١١٩..

٩ منه: مكرر في الأصل..
١٠ انظر القرطبي ١١/٢٧٧..
١١ انظر الكشاف ٣/٦، الفخر الرازي ٢٢/١٤٨..
١٢ قال أبو البقاء ("مما تصفون" حال، أي: ولكم الويل واقعا) التبيان ٢/٩١٤..
١٣ انظر التبيان ٢/٩١٤..
١٤ وذلك على قولهم بأن (ما) المصدرية حرف، خلافا للمبرد والمازني والسهيلي وابن السراج والأخفش في قولهم إنها اسم مفتقرة إلى ضمير، وأنك إذا قلت: (يعجبني ما قمت) فتقديره يعجبني القيام الذي قمته. انظر الهمع ١/٨١..
١٥ انظر التبيان ٢/٩١٤..
١٦ ما بين القوسين سقط من ب..
١٧ لأن الموصول الاسمي والنكرة الموصوفة لا بد لهما من عائد يعود عليهما انظر شرح الأشموني ١/١٤٦..
١٨ لأن شروط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متصلا وناصبه فعل أو وصف غير صلة أل، وأن يكون الفعل تاما. وهو هنا متصل فعل تام انظر شرح التصريح ١/١٤٤-١٤٥..
١٩ في ب: المصاحبة. وهو تحريف..
٢٠ انظر البغوي ٥/٤٧٩..
٢١ لأن شروط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متصلا وناصبه فعل أو وصف غير صلة أل، وأن يكون الفعل تاما. وهو هنا متصل فعل تام انظر شرح التصريح ١/١٤٤-١٤٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية