ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب، وخانوا نعم الله في السماء والأرض فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر، فالحق سبحانه يملي للباطل ويوسع له حتى يزحف ويمتد، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، وقذف عليه بالحق.
فقوله : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ.. ( ‍١٨ ) ( الأنبياء ) : القذف : الرمي بشدة مثل القذائف المدمرة فيدمغه.. ( ‍‍‍١٨ ) ( الأنبياء ) : يقال : دمغه : أي : أصاب دماغه. والدماغ أشرف أعضاء الإنسان ففيه المخ، وهو ميزان المرء، فإن كان المخ سليما أمكن إصلاح أي عطل آخر، أما إن تعطل المخ فلا أمل في النجاة بعده.
لذلك جعل الحق – سبحانه وتعالى – عظمة الدماغ أقوى عظام الجسم لتحفظ هذا العضو الهام، والأطباء لا يحكمون على شخص بالموت – مثلا – إذا توقف القلب ؛ لأن القلب يجري له تدليك معين فيعود إلى عمله كذلك التنفس، أما إن توقف المخ فقد مات صاحبه، فهو الخلية الأولى والتي تحتفظ بآخر مظاهر الحياة في الجسم ؛ لذلك يقولون : موت إكلينيكي.
وللمخ يصل خلاصة الغذاء، وهو المخدوم الأعلى بين الأعضاء، فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل، وما زاد على طاقته يختزن على شكل دهون يتغذى عليها الجسم، حين لا يوجد الطعام، فإذا ما انتهى الدهن تغذى على اللحم، ثم على العظم ليوفر للمخ ما يحتاجه، فهو السيد في الجسم، ومن بعده تتغذى باقي الأعضاء.
إذن : كل شيء في الجسم يخدم المخ ؛ لأنه أعلى الأعضاء، أما النبات مثلا فيخدم أسفله، فإذا جف الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاء الكافي يتغذى على أعلاه فيذبل أولا، ثم تتساقط الأوراق، ثم تجف الفروع الصغيرة، ثم الجذع ثم الجذر.
ومن ذلك قول سيدنا زكريا عليه السلام : قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا.. ( ٤ ) :( مريم ) : فالعظم آخر مخزن للغذاء في الجسم، فوهن العظم دليل على أن المسألة أوشكت على النهاية.
إذن : فقوله تعالى : فيدمغه.. ( ‍١٨ ) ( الأنبياء ) : أي : يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها، لا في عضو آخر يمكن أن يجبر، لذلك يقول بعدها : فإذا هو زاهق.. ( ‍١٨ ) ( الأنبياء ) : زاهق : يعني خارج بعنف.
وقوله تعالى : وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( ١٨ ) ( الأنبياء ) : يعني : أيها الإنسان المغتر بلججه وعناده في الباطل، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق، سنقذف بالحق على باطلك، فنصيب دماغه فيزهق، ساعتها ستقول : يا ويلتي كما سبق أن قالوا : يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( ١٤ ) ( الأنبياء ) : حينما يباشرون العذاب.
ومعنى : تَصِفُونَ ( ١٨ ) ( الأنبياء ) : تكذبون كذبا افترائيا، كما لو رأيت شخصا جميلا، فتقول : وجهه يصف الجمال، يعني : إن كنت تريد وصفا للجمال، فانظر إلى وجهه يعطيك صورة للجمال، كما جاء في وله تعالى : وتصف ألسنتهم الكذب.. ( ٦٢ ) ( النحل ) : يعني : إن أردت أن تعرف الكذب بعينه، فاسمع كلامهم وما قالته ألسنتهم.
كما يقولون : حديث خرافة١ وأصل هذه المقولة رجلا اسمه خرافة كان يقول : أنا عندي سهم إن أطلقته على الظبي يسير وراءه، فإن التفت يمينا سار وراءه، فإن ذهب شمالا ذهب وراءه، فإن صعد الجبل صعد وراءه، فإن نزل نزل وراءه. وكأن سهمه صاروخ موجه كالذي نراه اليوم ! ! فسار كلامه يضرب للكذب٢،
لذلك قال الشاعر :
* حديث خرافة يا أم عمرو *
فإن أردت تعريفا للكذب فأنا لا أعرفه لك بأنه قول لا يوافق الواقع، إنما اسمع إلى كلامهم، فهو أصدق وصف للكذب ؛ لأنه كذب مكشوف مفضوح.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى :{ سبحانه وتعالى عما يصفون ( ‍١٠٠ ) ( الأنعام ) : أي : يكذبون ويفترون على الله.
وقد يقول : قائل : لماذا يملى الله للباطل حتى يتمرد ويعلو، ثم يعلو عليه الحق فيدمغه ؟
نقول : الحكمة من هذا أن تتم الابتلاءات، والناس لا نتعشق الحق إلا إذا رأت بشاعة الباطل، ولا تعرف منزلة العدل إلا حين ترى بشاعة الظلم، وبضدها تتميز الأشياء، كما قال الشاعر :
فالوجه مثل الصبح مبيض**** والشعر مثل الليل مسود
ضدان لما استجمعا حسنا **** والضد يظهر حسنه الضد
إذن : لا نعرف جمال الحق إلا بقبح الباطل، ولا حلاوة الإيمان إلا بمرارة الكفر.

١ الخرافة: الحديث المستملح من الكذب. ذكر ابن الكلبي: أن خرافة من بني عذرة أو من جهينة اختطفته الجن، ثم رجع إلى قومه فكان يحدث بأحاديث مما رأى يعجب منها الناس، فكذبوه، فجرى على ألسن الناس). (لسان العرب – مادة: خرف)..
٢ أخرج أحمد في مسنده (٦ / ‍١٥٧) عن عائشة قالت: حدث رسول الله صلى الله نساءه ذات ليلة حديثا فقالت امرأة منهن: يا رسول الله كأن الحديث حديث خرافة فقال: أتدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهن دهرا طويلا ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس: حديث خرافة)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير