ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

٨٥١- يجوز النصب في قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا إذ لاحظنا معنى النفي، لأن " لو " معناها الامتناع، والامتناع نفي، فإن معنى قولك : " لو جاءني زيد لأكرمته " أن الإكرام منفي لانتفاء المجيء. ( نفسه : ٢٩٠ ).
٨٥٢- إلا الله أي : غير الله. ( الذخيرة : ٤/٣١ ).
٨٥٣- لا يمكن أن تكون " إلا الله " بدلا كما في قولك : " ما فيهما إلا الله " لأن " لو " وجوابها بمنزلة الموجب، والبدل لا يكون في الموجب، وإنما كانت بمنزلة الموجب لأنها شرط فيما مضى، كما " إن " شرط فيما يستقبل ؛ وهم لا يقولون : " إن قام أحد إلا زيد فعاقبه " فكذلك هاهنا. وأيضا لو جعلته بدلا لوجب أن يحل محل الأول، ولو حل محله لفسد المعنى، لأنه كان يكون الكلام : " لو كان فيهما الله لفسدتا " تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
قال الرماني في شرح سيبويه " : " ولا يجوز في الآية البدل، لأن الذي قبله موجب، ولكن يصلح في مثل الاستثناء بالنصب كالاستثناء من موجب، وذلك على قياس " سار القوم إلا زيد " معناه : سار القوم غير زيد " ويجوز : " إلا زيدا " على الاستثناء، ويمتنع البدل. ( الاستغناء : ٢٤٨- ٢٤٩ ).
٨٥٤- السؤال الأول : على من يجوز النصب فيها من النحاة كما سبق نقله، وذلك أن النصب إنما يجوز على الاستثناء عن الإخراج، وهو قضاء في الإيجاب على ما بعد " إلا " يسلب الحكم السابق على المشهور من مذاهب العلماء أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي ثبوت، فيصير معنى الكلام : " لو كان فيهما آلهة ليس الله تعالى معهم موجودا فيهما لفسدتا " فيقتضي الكلام بطريق اللزوم أن الله تعالى لو كان مع الآلهة لم يحصل الفساد، وهو مقصود المشركين، فإنهم لم يقولوا : " الله تعالى ليس مع الآلهة، بل الجميع موجود "، فيفسد معنى الاحتجاج على المشركين. بخلاف إذا قلنا : إن معناها الصفة، ورفعنا، فيصير معنى الكلام : " لو كان فيهما آلهة غير الله تعالى لفسدتا ". وليس في هذا ما يقتضي القضاء بالسلب في جهة الله تعالى، لأنك إذا قلت : لو كان في الدار رجل غير زيد لسرقت.
الظاهر في عرف الاستعمال أن زيدا في الدار، وإن كانت اللغة تقتضي أن زيدا لم تتعرض له بالنفي ولا الثبوت وقد تقدم تقرير هذا في قولنا : جاءني غير زيد، هل زيد جاء أم لا ؟ وكلام سيبويه فيه، فظهر الفرق وأن الفساد يلزم النصب دون الرفع وأن الرفع متعين.
فإن قلت : الله تعالى لا يوصف بكونه في السماوات ولا في الأرض، لأن ذلك من خصائص الأجسام، فالواقع حينئذ أن الله تعالى فيهما على كل تقدير بضرورة العقل. فما يكون جوابا عن هذا السؤال هو الجواب عن النفي اللازم من الاستثناء والنصب.
قلت : المراد " فيهما " هاهنا ليس التحيز والإحاطة حتى يلزم السؤال، بل " فيهما " بالاعتبار والتعظيم واستحقاق العبادة، فالكون بهذه الصفات هو المراد ولا الكون بالتحيز والتجسيم. وإذا كان هذا الكون المجازي هو المراد، فهو كما في قوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ١. فاستثنى الله تعالى نفسه ممن في السماوات والأرض بصيغة بمعنى المجاز، لا بمعنى الحقيقة اللغوية، فكذلك هاهنا، فإذا كانت هذه الفيئية هي المراد لا فيئية التحيز فالاستثناء بعدها يقتضي سلبها، لأن الاستثناء من الثبوت نفي، كذلك الثبوت كيف مجازا أو حقيقيا، فيلزم السؤال، وما لزمنا النفي اللازم من جهة العقل باعتبار التحيز، فإنه لم يبن الكلام على ثبوته حتى يلزم السؤال.
السؤال الثاني : أن الآية وردت بصيغة الجمع لقوله تعالى : آلهة ومقصود هذا الدليل إنما هو نفي ما عدا الله تعالى عن اعتبار الأهمية فيه ولا يلزم من نفي الجمع نفي التثنية، فضلا عن الواحد. فلو كانت الآية بصيغة الإفراد لزم من نفيه الوحدانية، وأما ما عدا الواحد إذا انتفى لا تلزم الوحدانية وقد ورد هذا النفي بصيغة الإفراد في قوله تعالى : ومن يدع مع الله إلها آخر ٢. بصيغة الإفراد، وهو كثير في القرآن، وكذلك الولد لم يأت قط إلا بصيغة الإفراد كقوله : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ٣ وفي الآية الأخرى : وقالوا اتخذ الله ولدا ٤.
ولم يأت جمع قط، فلا جرم لزم من نفي الواحد نفي مطلق الولد، بخلاف لو نفي الولد بصيغة الجمع والتثنية لم يلزم من نفي المجموع نفي جزئه، ولا من نفي الجماعة نفي المفرد وهذا سؤال قوي.
السؤال الثالث : لِم ورد الكلام في نفي الآلهة بصيغة الجمع ولم يرد في نفي الولد بصيغة الجمع ؟ فهل بينهما فرق أو ذلك كله صحيح والخيرة في ذلك كله للمتكلم ؟.
السؤال الرابع : أن في هذه الآية مفهومها أن الشريك يستحيل على الله تعالى، ثم بين ذلك بأنه لو كان موجودا فسد العالم، والدليل هو ملازمة، ملزومها الشريك، ولازمها فساد السماوات والأرض، ولزم من نفي اللازم الذي هو الفساد نفي الملزوم الذي هو الشريك، فهذا وجه الحجة من الآية. لكن السماوات والأرض أمور ممكنة، وكل ممكن فهو قابل للفساد والبقاء بالضرورة، وإلا كان واجب الوجود لا ممكن الوجود، فنفي هذا اللازم حينئذ ممكن، وعدم نفيه ممكن.
وإذا كان اللازم جائز الثبوت وجائز الانتفاء كان الملزوم أيضا كذلك إذا كان موجب نفيه نفي لازمه، فليزم أن يكون الشريك ممكن الوجود، والمقصود أنه مستحيل لوجود فكيف تتحصل استحالة الوجود من دلالة الآية ونظمها ؟
وهذا السؤال يتجه في كل كلام قصد به استحالة أمر، وثبتت تلك الاستحالة بنفي شرط ممكن أو على تقدير ممكن، فإن ذلك التقدير أو ذلك الشرط لما كان ممكنا انتفاء ذلك الذي قصد نفيه على ذلك التقدير أو انتفاء الشرط ممكنا، وما نفيه ممكن لا يكون مستحيل بل ممكنا.
ومن إثبات الاستحالة على تقدير ممكن قول جماعة من المتكلمين في برهان الوحدانية : لو فرض إلهان فأراد أحدهما سكون زيد أو أراد الآخر تحريكه، فأما أم ينفد مرادهما أو لا ينفد مرادهما أو أحدهما دون الآخر. والقسمان الأولان باطلان، تعين الثالث، فالذي ينفذ مراده هو الله تعالى، والذي لا ينفد مراده عاجز لا يصلح للإلهية، فتعينت الوحدانية، فيثبتون الاستحالة على تقدير تعلق الإرادة بما يمكن أن تتعلق ويمكن ألا تتعلق به.
فإن الإرادة القديمة لا يتعين لها أن تتعلق بسكون ولا حركة، بل هي في ذاتها قابلة للأمرين. فحينئذ هذا التقدير ممكن والمنفي على تقدير ممكن لا يتعين نفيه، بل يجوز أن لا ينتفي، فما تعينت الاستحالة التي هي المقصود، بل لا ينبغي أن تنبني الاستحالة على تقدير متعين حتى تكون تلك الاستحالة أو ذلك النفي متعينا وهذا من الأسئلة الجليلة أيضا الدقيقة الخفية على كثير ممن يشتغل بالعلم، وسيأتي الجواب عن الجميع إن شاء الله تعالى.
السؤال الخامس : هذه الآية إنما دلالتها بسبب تضمنها لبرهان التمانع، فإن الفساد إنما يلزم من الشريك على تقدير التمانع وإلا فلا فساد حينئذ، لكن التمانع إنما يحصل بين إلهين تامين كل واحد منهما له مثل للآخر من صفات التأثير، والعلم التام، والقدرة التامة، والإرادة الشاملة، وجميع ما يتعلق بكمال الإلهية في التأثير.
أما ناقص تبع لم يلزم منه فساد ولا تمانع، لأن الكامل حينئذ هو المتصرف الخالق البارئ الفعال لما يريد، والآخر بعيد عن ذلك ؛ فلا يلزم تمانع ولا فساد.
وإذا تقرر هذا، فالعرب لم تدع في الأصنام الكمال ولا الخلق ولا الإيجاد، بل قالوا : " إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى "، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم يعترفون باستقلال الله تعالى بقوله تعالى : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ٥. وفي الآية الأخرى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ٦.
وما علمنا أن أحدا ادعى إلها مع الله مثل الله تعالى من كل وجه، بل ناقصا على ما تقدم، فكيف تقوم الحجة على هذا التقدير على هؤلاء بهذه الآية، إنما هي حجة على غيرهم إن وجدوا، لكن المقصود المهم من هذه الآية إنما هو العرب ولم يكن ذلك معتقدهم.
وهذا أيضا سؤال مشكل، وكان الشيخ الإمام حبر الإسلام عز الدين بن عبد السلام يستشكله، ولم أكن أعلم عنده جوابا عنه حتى فتح الله تعالى بعد ذلك من فضله وكرمه.
السؤال السادس : قوله تعالى : " فيهما " يقتضي مفهومه أن الإله الثاني لو كان في غرهما أو أحدهما لم يحصل الفساد، وليس كذلك، بل الفساد يحصل مطلقا.
الإجابة عن السؤال الأول : الجواب عن السؤال الأول الاعتراف بصحته من حيث المعنى وإنما شبهه من أجاز النصب أنه لاحظ أن اللفظ إيجاب من حيث الجملة، فإن ' " لولا " تقتضي نفيا، بل ربطا بين جملتين، وذلك أن الربط إيجاب، وكل إيجاب من حيث الجملة يحسن فيه النصب على الاستثناء، هذا إطلاق النحاة، واعتمد عليه هذا القائل ولم يلاحظ خصوص هذه المادة، فإن المنع من النصب إن جاء من خصوصها، لا من جهة أنه إيجاب ولا استثناء بل من جهة ما جهة ما يتعلق بخصوص الربوبية الذي لا يشبهه خصوص، فمن هو مع قواعد النحو من حيث هو نحو، ولم يعرج على غيره فدخل عليه الداخل. ومن لاحظ خصوص هذه المادة مع كل المنع، فالمنع والجواز بجبهتين واعتبارين.
الإجابة عن السؤال الثاني : والجواب عن الثاني : أن روح السؤال أنه مبني على أن الكلام نفي وليس كذلك، بل الكلام ثبوت صرف، ولزوم وربط بين الآلهة والفساد، ولكن الإثبات يلزمه النفي في ضد المثبت ونقيضه بالضرورة، كما أن الكلام يكون نفيا فيلزمه الثبوت، وهكذا كل قضية. والعمدة في أحكام الاستثناء وغيره إنما هي ما يدل اللفظ عليه مطابقة، لا على ما يلزم مدلول اللفظ.
فإذا قلنا : ما قام القوم، قلنا : " إلا زيد "، بالرفع بناء على النفي، وإن كان يلزمه أنهم قعدوا– وهو ثبوت- وكذلك، إذا قلنا : قام القوم، منعنا البدل، لأنه إيجاب وإن كان فهو يلزمه النفي، وهو أنهم ما قعدوا، فالمعتبر إنما هو ما يدل عليه مطابقة دون لوازم المدلول. ولفظ الآية إيجاب صرف يلزم منه النفي، فيلزم من الشريك الفساد، وهذا إيجاب يلزم منه نفي، وهو أن نفي الفساد يلزم منه نفي الآلهة، فالنفي لازم أصل.
إذا تقرر أنه ليس نفيا، بل قول السائل أنه لا يلزم من نفي الجمع، نفي التثنية، ولا من الكل نفي الجزء، ورجع البحث إلى جهة أخرى وهو أن الجمع بلسان العرب كلية لا كل، والكلية هي القضاء على كل واحد واحد بذلك الحكم والكل، والقضاء على المجموع من حيث أنه مجموع، فإذا قلنا : " كل رجل يشبعه رغيفان غالبا "، صدق ذلك باعتبار الكلية وهو الحكم على كل واحد واحد، وكذب باعتبار الكل، فإن المجموع لا يشبعه رغيفان. وإذا قلنا : " كل رجل يشيل هذه الصخرة العظيمة "، صدق باعتبار الكل، وكذب باعتبار الكلية.
إذا تقرر الفرق بينهما فاعلم أن غالب استعمال العرب إنما هو باعتبار الكلية دون الكل، فإذا قلنا : " لو جاءني الزيدون لأكرمتهم "، فمعناه : " لأكرمت كل واحد منهم "، وليس المراد المجموع، وكذلك الزيدون قاموا. أو قال لعبيده : قوموا، فالأمر متوجه لكل واحد دون المجموع، وكذلك قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ٧ و ولله على الناس حج البيت ٨ و فمن شهد منكم الشهر فليصمه ٩ و قاتلوا المشركين $$

١ - سورة النمل: ٦٥..
٢ - سورة المؤمنون: ١٧٧..
٣ - سورة مريم: ٨٨..
٤ - سورة البقرة: ١١٦..
٥ - سورة الزخرف: ٩..
٦ - سورة الزخرف: ٨٧..
٧ - سورة البقرة: ٤٣..
٨ - سورة آل عمران: ٩٧..
٩ - سورة البقرة: ١٨٥..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير