ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

فمع انصرافكم عن الإله الحق الذي له ملك السماء والأرض، وله تسبح جميع المخلوقات، لا يوجد إله آخر لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.. ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : أي : ما زال الكلام مرتبطا بالسماء والأرض لفسدتا.. ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : السماء والأرض، وهما ظرفان لكل شيء من خلق الله.
ومعنى : إلا الله.. ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : إلا : أداة استثناء تخرج ما بعدها عن حكم ما قبلها كما لو قلت : جاء القوم إلا محمد، فقد أخرجت محمدا عن حكم القوم وهو المجيء، فلو أخذنا الآية على هذا المعنى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.. ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : يعني : لو كان هناك آلهة، الله خارج عنها لفسدت السماوات والأرض.
إذن : ما الحال لو قلنا : لو كان هناك آلهة والله معهم ؟ معنى ذلك أنها لا تفسد، فإلا إن حققت وجود الله، فلم تمنع الشركة مع الله، وليس هذا مقصود الآية، فالآية تقرر أنه لا إله غيره.
إذن :( إلا ) هنا ليست أداة استثناء. إنما هي اسم بمعنى ( غير ) كما جاء في قوله تعالى : وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.. ( ٣٦ ) ( هود ).
فالمعنى : لو كان فيهما آلهة موصوفة بأنها غير الله لفسدتا، فامتنع أن يكون هناك شريك.
وهناك آية أخرى : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( ٤٢ ) ( الإسراء ).
الحق – سبحانه وتعالى – يعطينا القسمة العقلية في القرآن : فلنفرض جدلا أن هناك آلهة أخرى قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا.. ( ٤٢ ) ( الإسراء ) : أي : لو حدث هذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( ٤٢ ) ( الإسراء ).
السبيل : الطريق، أي طلبوا طريقا إلى ذي العرش أي : إلى الله، لماذا ؟ إما ليجادلوه ويصاولوه، كيف أنه أخذ الألوهية من خلف ظهورهم، وإما ليتقربوا إليه ويأخذوا ألوهية من باطنه، وقوة في ظل قوته، كما أعطى الله تعالى قوة فاعلة للنار مثلا من باطن قوته تعالى، فالنار لا تعمل من نفسها، ولكن الفاعل الحقيقي هو الذي خلق النار، بدليل أنه لو أراد سبحانه لسلبها هذه القدرة، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى : قلنا يا نار كوني بردت وسلاما على إبراهيم ( ٦٩ ) ( الأنبياء ).
وقوله : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض.. ( ٩١ ) ( المؤمنون ) : وهذه الآية الكريمة وأمثالها تثبت أنه سبحانه موجود وواحد.
أما على اعتبار أن ( إلا ) استثناء فهي تثبت أنه موجود، إنما معه شريك، وليس واحدا. فهي – إذن – اسم بمعنى غير، ولما كانت مبنية بناء الحروف ظهر إعرابها على ما بعدها ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) فيكون إعراب ( غير ) إعراب ( إلا ) الذي ظهر على لفظ الجلالة ( الله ).
لكن، لماذا تفسد السماء والأرض إن كان فيهما آلهة غير الله ؟
قالوا : لأنك في هذه المسألة أمام أمرين : إما أن تكون هذه الآلهة مستوية في صفات الكمال، أو واحد له صفات الكمال والآخر له صفة نقص. فإن كان لهم صفات الكمال، اتفقوا على خلق الأشياء أم اختلفوا ؟
إن كانوا متفقين على خلق شيء، فهذا تكرار لا مبرر له، فواحد سيخلق، والآخر لا عمل له، ولا يجتمع مؤثران على أثر واحد.
فإن اختلفوا على الخلق : يقول أحدهم : هذه لي، ويقول الآخر : هذه لي، فقد علا بعضهم على بعض.
أما إن كان لأحدهم صفة الكمال، وللآخر صفة النقص، فصاحب النقص لا يصح أن يكون إلها، وهكذا الحق – سبحانه وتعالى – يصرف لنا الأمثال ويوضحها ليجلي هذه الحقيقة بالعقل وبالنقل : لا إله إلا الله، واتخاذ آلهة معه سبحانه أمر باطل.
كذلك يرد على الذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل من قالوا : العزير ابن الله ومن قالوا : المسيح ابن الله. ومن اتخذوا الملائكة آلهة من دون الله : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب.. ( ٥٧ ) ( الإسراء ).
إن هؤلاء الذين تدعونهم مع الله يطلبون إليه الوسيلة، ويتقربون إليه سبحانه، وينظرون أيهم أقرب إلى الله من الآخر، فكيف يكونون آلهة ؟
ثم يقول تعالى : فسبحان الله رب العرش.. ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : أي : تنزيها لله عما قال هؤلاء { عما يصفون ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : أي : يلحدون ويكذبون ويفترون.
والعرش : هو السرير الذي يجلس عليه الملك، وهو علامة الملك والسيطرة، كما في قوله تعالى عن ملكة سبأ على لسان الهدهد : إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ( ٢٣ ) ( النمل ). فحين يقول سبحانه رب العرش.. ( ٢٢ ) ( الأنبياء ) : ينصرف إلى عرشه تعالى، الذي لا يعلو عليه، ولا ينازعه عرش آخر.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير