قوله: مِنْ عَجَلٍ : فيه قولان، أحدهما: أنه من بابِ القلبِ. والأصلُ: خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ لشدةِ صدورِه منه وملازَمتِه له. وإلى هذا ذهب أبو عمروِ. وقد يتأيَّد هذا بقراءةِ عبدِ الله «خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ» والقلبُ موجودٌ. قال الشاعر:
| ٣٣٤٠ - حَسَرْتُ كَفِّيْ عن السِّربالِ آخُذُه | .......................... |
والثاني: أنه لا قلبَ فيه وفيه تأويلاتٌ، أحسنُها: أن ذلك على المبالغةِ، جَعَلَ ذاتَ الإِنسانِ كأنها خُلِقَتْ من نفسِ العَجَلة، دلالةً على شدةِ اتصاف الإِنسانِ بها، وأنها مادتُه التي أُخِذ منها. ومثلُه في المبالغة من جانب النفي قولُه عليه السلام: «لستُ من الدَّدِ، ولا الدَّدُ مني» والدَّدُ: اللِّعِبُ. وفيه لغاتٌ: «دَدٌ» محذوفُ اللامِ و «ددا» مَقْصوراً ك «عصا» و «دَدَن» بالنون. وألفه في إحدى لغاتِه مجهولةُ الأصل لا ندري: أهي عن ياءٍ أو واوٍ؟.
وقيل: العَجَلُ: الطين بلغة حمير، أنشد أبو عبيدة على ذلك لشاعرٍ منهم:
| ٣٣٤١ - النَّبْعُ في الصَّخْرةِ الصَّمَّاء مَنْبِتُه | والنَّخْلُ مَنْبِتُه في الماءِ والعَجَلِ |
وهذا الجارُّ يحتملُ تَعَلُّقُه ب» خُلِقَ «على المجاز أو الحقيقةِ المتقدِّمَيْن، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ كأنه قيل: خُلِق الإِنسانُ عَجِلاً. كذا قال أبو البقاء. والأولُ أولى. صفحة رقم 157
وقرأ العامَّة» خُلِق «مبنياً للمفعول.» الإِنسانُ «مرفوعاً لقيامِه مقامَ الفاعلَ. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم» خَلَقَ «مبنياً للفاعل.» الإِنسانَ «نصباً مفعولاً به.
صفحة رقم 158الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط