الآية ٣٧ : وقوله تعالى : خلق الإنسان من عجل كقوله١ في آية أخرى : وكان الإنسان عجولا [ الإسراء : ١١ ].
قال الحسن : عجولا أي ضعيفا، وضعفه، هو أن يضيق صدره، ويحرج عند [ إصابته بأدنى ] ٢ شيء حتى يحمله ضيق صدره على أن يدعو على نفسه وعلى مجيئه الهلاك لضيق صدره، وذلك لضعف٣ فيه.
وعندنا أنه خلقه عجولا حتى لا يصبر على حالة واحدة، وإن كانت الحالة نعمة ورخاء حتى يمل منها، ويسأم، ويريد التحول إلى حالة هي دون تلك الحالة، ويرضى بشيء دونه.
لكنه، وإن خلقه على ما أخبر، جعل في وسعه رياضة نفسه حتى يصير صبورا حليما، وهو ما أخبر أن عجولا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [ المعارج : ١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢ ] أخبر أنه خلقه هلوعا، ثم استثنى المصلين. دل أنه بالرياضة يتحول عن الحالة التي خلقه إلى حالة أخرى، وهي حالة الحلم والصبر. وكذلك ما أخبر : وكان الإنسان قتورا [ الإسراء : ١٠٠ ] كان كذلك في الابتداء. لكنه بالرياضة والعادة يصير سخيا جوادا. وكذلك ما قال : وأحضرت الأنفس الشح [ النساء : ١٢٨ ] ثم قال : ومن يوق شح نفسه [ الحشر : ٩ والتغابن : ١٦ ] أخبر أن الأنفس الشح٤ أحضرت، ثم أخبر أن من يوق شح نفسه فله كذا.
دل بهذا كله أنه بالرياضة والعادة يحتمل التحول إلى حالة السخاء والجود٥ بعدما كان شحيحا قتورا بخيلا. فعلى ذلك ما ذكر من العجلة والهلع والجزع يحتمل [ التحول ] ٦ بالرياضة والعادة إلى أن يصير حليما صبورا في الأمور غير ملول فيها.
وليست المحنة إلا بالرياضة والعادة. فأمره أن يروض نفسه، ويعودها بالقيام بجميع ما أمره الله، ويكفها عن جميع ما نهى عنه، فيعتاد اتباع أمره والانتهاء عن نهيه، والله الموفق.
وقوله تعالى : سأوريكم آياتي فلا تستعجلون يشبه أن يكونوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات على رسالته أنه رسول، أو سألوا آيات على وحدانية الله وربوبيته، فقال : سأوريكم آياتي من الوجه الذي يريد ربي، ويبين لكم ذلك لا من الوجه الذي تريدون أنتم، وتسألونه.
وقال أهل التأويل : سأوريكم آياتي في ما نزل من العذاب فيهم وفي منازلهم فلا تستعجلون /٣٣٩-ب/ أنتم العذاب على من كان قبلكم من الأمم بتكذيبهم الرسل. فإن سافرتم، وضربتم في الأرض رأيتم آثار العذاب فيهم وفي منازلهم فلا تستعجلون أنتم العذاب الذي يعد لكم الرسول ؛ كان يخوفهم العذاب، ويعد لهم إياه [ إن يكذبوه ] ٧ في ذلك، فقال عند ذلك ما قال.
٢ في الأصل و م: أصابه أدنى..
٣ في الأصل و م: لضعفه..
٤ أدرجت في الأصل و م بعد: أحضرت..
٥ في الأصل و م: والجواد..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: فكذبوه..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم