ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ أي جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل. قال الفراء : كأنه يقول : بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة. وقال الزجاج : خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء : خلقت منه كما تقول : أنت من لعب، وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك. ويدل على هذا المعنى قوله : وَكَانَ الإنسان عَجُولاً [ الإسراء : ١١ ]. والمراد بالإنسان : الجنس. وقيل : المراد بالإنسان : آدم، فإنه لما خلقه الله ونفخ فيه الروح صار الروح في رأسه، فذهب لينهض قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه فوقع، فقيل : خلق الإنسان من عجل ، كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسديّ والكلبي ومجاهد وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني : العجل : الطين بلغة حمير. وأنشدوا :
والنخل تنبت بين الماء والعجل ***. . .
وقيل : إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، وهو القائل : اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ [ الأنفال : ٣٢ ]. وقيل : نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب. وقال الأخفش : معنى خلق الإنسان من عجل أنه قيل له كن فكان. وقيل : إن هذه الآية من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان وقد حكي هذا عن أبي عبيدة والنحاس، والقول الأوّل أولى سأريكم آياتي أي : سأريكم نقماتي منكم بعذاب النار فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ أي لا تستعجلوني بالإتيان به، فإنه نازل بكم لا محالة، وقيل : المراد بالآيات ما دل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأوّل أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السديّ قال :( مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان : هذا نبيّ بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان فقال : ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبيّ، فسمعها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال :( ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك )، وقال لأبي سفيان :( أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية )، فنزلت هذه الآية : وَإِذَا رَآكَ الذين كَفَرُوا . قلت : ينظر من الذي روى عنه السديّ ؟. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس فقال : الحمد لله، فقالت الملائكة : يرحمك الله، فذهب لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله : خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ . وقد أخرج نحو هذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأخرج نحوه أيضاً ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد، وكذا أخرج ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم قال : يحرسكم، وفي قوله : وَلاَ هُمْ منَّا يُصْحَبُونَ قال : لا ينصرون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَلاَ هُمْ منَّا يُصْحَبُونَ قال : لا يجارون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية : قال لا يمنعون.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية