ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ( ٤١ ) .
سبق أن خاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا.. ( ٣٦ ) ( الأنبياء ) : لذلك يسليه هنا : لست بدعا من الرسل، فخذ هذه المسألة بصدر رحب، فلقد استهزئ بالرسل من قبلك فلا تحزن، فسوف يحيق بهم ما صنعوا، ويجدون عاقبة هذا الاستهزاء.
كما جاء في قصة نوح عليه السلام : ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه.. ( ٣٨ ) ( هود )، فيرد نوح : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ( ٣٨ ) ( هود ) : أي : انتظروا النهاية، وسوف ترون ! !
ومعنى :{ فحاق.. ( ٤١ ) ( الأنبياء ) :
أي : حل ونزل بقسوة بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءون ( ٤١ ) ( الأنبياء ).
وهذا المعنى واضح في قوله تعالى : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ( ٢٩ ) وإذا مروا بهم يتغامزون ( ٣٠ ) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين ( ٣١ ) ( المطففين ) : أي : مسرورين فرحين، وهذا دليل على لؤمهم ورذالة طباعهم، فلم يكتفوا بالاستهزاء، وإنما يحكونه ويتبجحون به،
وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ( ٣٢ ) وما أرسلوا عليهم حافظين ( ٣٣ ) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ( ٣٤ ) على الأرائك ينظرون ( ٣٥ ) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ( ٣٦ ) ( المطففين ).
هل استطعنا أن نجازيهم بما عملوا ؟ نعم يا رب.
ولا ننسى أن استهزاء الكفار بأهل الحق استهزاء موقوت بوقته في الدنيا، أما استهزاء الله بهم فاستهزاء أبدي لا نهاية له، ويجب هنا أن نتنبه لهذه المسألة، فكثيرا ما يتعرض أهل الإيمان للاستهزاء وللسخرية من أهل الباطل، وهؤلاء الذين يسخرون منهم لأجلهم يصون الله لهم الحياة ويدفع عنهم العذاب، كما جاء في الحديث القدسي :( فلولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع١لصببت عليكم العذاب صبا )٢.
فحين ترى تقيا، فإذا لم تشكره على تقواه وتقتدي به فلا أقل من أن تدعه لحاله، لا تهزأ به، ولا تسخر منه، لأن في وجوده استبقاء لحياتك وأمنك، وأقل ما يمكنك أن تقيم به التقى : يكفيك منه أن أمنت شره، فلن يعتدي عليك، ولن ترى منه شيئا يسوؤك.
٢ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٢٢٧) من حديث أبي هريرة وعزاه للبزار والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: (لولا شباب خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا) وفيه: بن خيثم وهو ضعيف..
تفسير الشعراوي
الشعراوي