تمهيد :
أقام القرآن فيما سبق أدلة عقلية ونقلية على وجود الله. وأبان : أن مصير الدنيا إلى فناء وزوال، وأنها خلقت للابتلاء والامتحان، ولتكون جسرا إلى الآخرة دار الخلود، وأن مصير الخلائق كلها إلى الله تعالى للحساب والجزاء.
وفي الآيات ٣٧ – ٤١ يذكر : أن العجلة خلقت في طبيعة الإنسان، وقد أمرنا الله بالصبر والاحتمال، وقد كان كفار مكة يتعجلون وقوع العذاب بهم ؛ سخرية بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ؛ فبينت الآيات : أن العذاب آت لا ريب فيه ؛ فلا يغترن أحد بطول البقاء في الدنيا، ولا يسخرن برسول من عند الله، فإنه سيلقى جزاء سخريته واستهزائه، وهذا زجر واضح شديد التأثير.
٤١ - وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يستهزئون.
حاق : حل ونزل.
تبين الآية : جانبا من سنن الله الإلهية ؛ ذلك أن بعض الرسل الكرام سخر منهم قومهم ؛ واستهزءوا بهم، فأنزل الله بالمستهزئين العذاب الماحق، والعقاب الرادع، الذي كانت الرسل تخوفهم نزوله.
قال تعالى متحدثا عن نوح عليه السلام : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ. ( هود : ٣٨، ٣٩ ).
ومن لوازم مدلول الآية، ما يأتي :
إذا كان العذاب قد نزل بالمستهزئين بالرسل فيما سبق ؛ فلن يعدو أن يكون أمر هؤلاء الكفار كأمر أسلافهم، من الأمم المكذبة لرسلها، فينزل بهم من عذاب الله وسخطه مثل ما نزل بمن قبلهم.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة