قوله : وَنَضَعُ الموازين القسط قال الزجاج : ذوات القسط١، ووَضْعُها إحضارها. ( وإنما جمع «المَوَازِينَ » لكثرة من توزن أعمالهم، وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات٢ )٣. وفي نصب «القِسْطَ » وجهان :
أحدهما : أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أُفردَ ؟ وعنه جوابان :
أحدهما : أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحّد٤ مطلقاً.
والثاني : أنه على حذف مضاف٥.
الوجه الثاني : أنه مفعول من أجله أي : لأجل القسط٦، إلا أن في هذا نظراً٧، من حيث إن المفعول له إذا كان معرّفاً ب ( أل ) يقل تجرّده من حرف العلة٨ تقول : جئت للإكرام، ويقل : جئت الإكرام، كقوله :
٣٧١٩- لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ *** وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ٩
وقرئ : القِصْطَ بالصاد١٠، لأجل الطاء١١. وقد تقدّم.
قوله :«لِيَوْمِ القِيَامَة » في هذه اللام أوجه :
أحدها : قال الزمخشري : مثلها في قولك : جئت لخمس خلون من الشهر١٢ ومنه بيت النابغة :
٣٧٢٠- تَوَهَّمْتُ١٣ آيَاتٍ فَعَرَفْتُهَا *** لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ١٤ ١٥
والثاني : أنها بمعنى ( في ) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين١٦ ومنه عندهم :«لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا »١٧ وكقول١٨ مسكين الدارمي :
٣٧٢١- أُوْلَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوا لسبيلِهِمْ *** كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْل عَادٌ وَتُبَّعُ١٩
وكقول الآخر :
٣٧٢٢- وَكُلَّ أب وابن وإن عمرا معاً *** مقيمين مفقود لوقت وفاقد٢٠
والثالث : أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي : لحساب يوم القيامة و «شَيْئاً » يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، لأي : شيئاً من الظلم٢١.
فصل٢٢
في وضع الموازين٢٣ قولان :
أحدهما : قال مجاهد : هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويروى مثله عن قتادة والضحاك، والمراد بالوزن : القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي : ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير٢٤ عن ابن عباس.
والثاني : أنَّ الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل - عليه السلام٢٥ - يروى «أنَّ داود - عليه السلام-٢٦ سأل ربه أنْ يُرِيَهُ الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال : إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال : يا داود إنّي إذا٢٧ رضيت عن عد ملأتها بتمرة »٢٨.
وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان :
أحدهما : أن توزن صحائف الأعمال.
والثاني : أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود٢٩ مظلمة فإن قيل : أهل القيامة إمّا أن يكونوا عالمين بكونه - تعالى- عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه٣٠ كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا فائدة في وضع الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو٣١ أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين.
والجواب : قال ابن الخطيب : أما على قولنا لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ٣٢ وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من٣٣ العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين٣٤ في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين الحقيقة أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة٣٥ في ذلك٣٦.
قوله : وَإِن كَانَ مِثْقَالَ قرأ نافع هنا٣٧ وفي لقمان٣٨ برفع «مِثْقَال »٣٩ على أن «كَانَ » تامة، أي : وإنْ وجد مثقال٤٠. والباقون بالنصب٤١ على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي : وإنْ كان العمل٤٢. و «مِنْ خَرْدَلٍ » صفة ل «حَبَّةٍ »٤٣. وقرأ العامة «أَتَيْنَا » من الإتيان بقصر الهمزة أي جئنا بها٤٤.
وفي حرف٤٥ أبي " جئنا " ٤٦، وكذا قرأ ابن مسعود، وهو تفسير معنى لا تلاوة.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة٤٧، وجعفر بن محمد " آتينا " بمد الهمزة٤٨، وفيه أوجه :
أصحها : أنَّه ( فَاعَلْنَا ) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، والمعنى : جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء٤٩.
الثاني : أنَّها ( مفاعلة )٥٠ من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري٥١.
الثالث : أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية : ولو كان آتينا : أعطينا لما تَعَدَّتْ بحرف جر، وَيُوهِنُ هذه لقراءة أنَّ إبدال٥٢ الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومة والمكسورة٥٣ يعني : أنه كان من حق هذا القارئ أن يقرأ «وَأَتَيْنا » مثل وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارئ الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة٥٤.
قال أبو البقاء : ويُقْرَأُ بالمد بمعنى جَازَيْنَا بها، فهو يَقْرُبُ من معنى أعطينا، لأنَّ الجزاء إعطاء، وليس منقولاً من أتينا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم٥٥.
وقرأ حُمَيْدُ «أثَبْنَا » من الثواب٥٦، والضمير في «بِهَا »٥٧ عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث٥٨، فهو كقوله :
٣٧٢٣- كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ٥٩ ***. . .
في اكتسابه التأنيث بالإضافة.
فصل
زعم الجبائي أنَّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان٦٠.
وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأنَّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة٦١. فإن قيل : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال :«حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ » ؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله٦٢. ثم قال : وكفى بِنَا حَاسِبِينَ .
قال السّديّ : مُحْصِينَ٦٣. والحَسبُ : معناه العد. قال ابن عباس : عالمين حافظين، لأنَّ من حسب٦٤ شيئاً علمه وحفظه٦٥.
والغرض منه التحذير فإنَّ المحاسب إذا كان عالماً بحيث لا يمكن أن يفوته شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه٦٦.
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٧..
٣ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٤ في ب: يوجب. وهو تحريف..
٥ والتقدير: ذوات القسط. انظر الكشاف ٣/١٣، التبيان ٢/٩١٩، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٦ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٧ في ب: نظر..
٨ أي حرف الجر، وهو اللام..
٩ رجز مجهول القائل. الهيجاء: الحرب. الزّمر جمع زمرة وهي الجماعة.
والشاهد فيه قوله: "الجبن" حيث وقع مفعولا له وهو مقرون بـ (أل) وجاء منصوبا على قلة، والأكثر فيه أن يكون مجرورا، لأن المفعول له إذا كان معروفا بـ (أل) يقل تجرده من حرف الجر. وقد تقدم..
١٠ البحر المحيط ٦/٣١٦..
١١ وذلك إذا كان بعد السين غين أو خاء أو قاف أو طاء جاز قلبها صادا على لغة بني العنبر. قالوا في: أسبغ: أصبغ، وسخّر: صخر، وسقت: صقت، وسراط: صراط. انظر الكتاب ٤/٤٧٩-٤٨١، الأصول ٣/٤٣١، سر صناعة الإعراب ١/٢١١-٢١٢..
١٢ أي: أن اللام بمعنى (عند)..
١٣ في الكشاف: ترسمت..
١٤ البيت من بحر الطويل قاله النابغة الذبياني، وهو في ديوانه (٣٠)، والكتاب ٢/٨٦، والمقتضب ٤/٣٢٢. والمقرب ٢٧١، البحر المحيط ٦/٣١٦، والمقاصد النحوية ٤/٤٨٢. وشرح شواهد الكشاف ٧٣. توهمها: لم يعرفها إلا توهما لخفاء معالمها وانطماسها. الآيات: علامات الدار التي تعرف بها. لستة أعوام: يريد بعد ستة أعوام، والشاهد فيه مجيء اللام في قوله (لستة أعوام) بمعنى عند..
١٥ الكشاف ٣/١٣..
١٦ انظر التبيان ٢/٩١٩، البحر المحيط ٦/٣١٦..
١٧ من قوله تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجلّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض [الأعراف: ١٨٧]..
١٨ في ب: ولقول. وهو تحريف..
١٩ البيت من بحر الطويل قاله مسكين الدارمي وهو في الديوان (٥٠) برواية:
أولئك قوم قد مضوا لسبيلهم *** كما مات لقمان بن عاد وتبع
والبحر المحيط ٦/٣١٦، والخزانة ٤/١٠١. تبع: واحد التبابعة، وهم ملوك اليمن، سموا بذلك، لأنه يتبع بعضهم بعضا كلما هلك واحد قام مقامه آخر تابعا له على مثل سيرته. والشاهد فيه مجيء اللام بمعنى (في) والتقدير: قد مضوا في سبيلهم..
٢٠ البيت من بحر الطويل وهو في البحر المحيط ٦/٣١٦، والشاهد فيه كالشاهد في البيت السابق، وهو مجيء اللام بمعنى (في)..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٢٢ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٦-١٧٧..
٢٣ في ب: الميزان..
٢٤ جامع البيان ١٧/٢٥..
٢٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٦ في الأصل: حكم. وهو تحريف..
٢٧ في ب: أنا. وهو تحريف..
٢٨ انظر البغوي ٥/٤٩١..
٢٩ الأصل: بيض. وهو تحريف..
٣٠ في الأصل: حكم. وهو تحريف..
٣١ في ب: و. وهو تحريف..
٣٢ من قوله تعالى: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [الأنبياء: ٢٣]..
٣٣ في ب: إلى..
٣٤ في ب: القبيلتين..
٣٥ الصحيحة: سقط من ب..
٣٦ الفخر الرازي ٢٢/١٧٦-١٧٧..
٣٧ في الأًصل: وهنا. وهو تحريف..
٣٨ في قوله تعالى: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير [لقمان: ١٦]..
٣٩ السبعة: (٤٢٩، ٥١٣)، الكشف ٢/١١١، ١٨٨، والنشر ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١٠)..
٤٠ فتكتفي بالفاعل ولا تحتاج إلى المنصوب. انظر الكشف ٢/١١١، ومشكل إعراب القرآن ٢/٨٤، البيان ٢/١٦١، التبيان ٢/٩١٩ والكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤١ السبعة (٤٢٩، ٥١٣) والكشف ٢/١١١، ١٨٨، النشر ٣٢٤، الإتحاف (٣١١)..
٤٢ انظر الكشف ٢/١١١، ومشكل إعراب القرآن ٢/٨٤، البيان ٢/١٦١، التبيان ٢/٩١٩ والبحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٣ انظر التبيان ٢/٩١٩، وجوز أبو البقاء أيضا أن يكون (من خردل) صفه لـ مثقال)..
٤٤ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٥ حرف: سقط من ب..
٤٦ المختصر (٩٢)، الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٧ لم أقف له على ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع..
٤٨ الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٩ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٥٠ في النسختين: فاعلة. وهو تحريف..
٥١ الكشاف ٣/١٣..
٥٢ في الأصل: بدل وهو تحريف..
٥٣ تفسير ابن عطية ١٠/١٥٩..
٥٤ أصل أحد وأناة: وحد وأناة، فإبدال الواو هنا همزة سماعيّ..
٥٥ التبيان ٢/٩١٩..
٥٦ المختصر (٩٢)، الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٥٧ في ب: باها. وهو تحريف..
٥٨ انظر الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٥٩ عجز بيت من الطويل قاله الأعشى وصدره:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته
وسبق تخريجه..
٦٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٧..
٦١ المرجع السابق..
٦٢ المرجع السابق..
٦٣ انظر البغوي ٥/٤٩١..
٦٤ في الأصل: لأن من حفظ حسب..
٦٥ انظر البغوي ٥/٤٩١..
٦٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٧-١٧٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود