قَوْله تَعَالَى: وَنَضَع الموازين الْقسْط مَعْنَاهُ: ذَوَات الْقسْط، والقسط، الْعدْل، وَفِي الْمَشْهُور فِي الْأَخْبَار: أَن الْمِيزَان لَهُ لِسَان وكفتان، وَفِي بعض الْمَأْثُور: أَن دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: يَا رب: أَرِنِي الْمِيزَان الَّذِي يُوزن بِهِ أَعمال الْعباد، فَأرَاهُ إِيَّاه،
صفحة رقم 383
الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا وكل كفة مِنْهُ مثل مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، فَقَالَ: يَا رب: وَمن يمْلَأ هَذَا من الْحَسَنَات؟ فَقَالَ: باداود، إِذا رضيت عَن عَبدِي ملأته بكسرة أَو تَمْرَة وَالله أعلم.
وَأما كَيْفيَّة الْوَزْن فقد قَالَ بَعضهم إِنَّه يُوزن الْحَسَنَات والسيئات، وَقيل: يُوزن خَوَاتِيم الْأَعْمَال، وَقَالَ بَعضهم: الْمِيزَان عَلامَة يعرف بهَا مقادير اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَالصَّحِيح هُوَ الْمِيزَان حَقِيقَة، فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا فَكيف التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى قَوْله: فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا أَي: لَا يَسْتَقِيم وزنهم على الْحق، فَإِن ميزانهم شائل نَاقص خَفِيف، وَيُقَال: فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا أَي: ثَوابًا، قَالَ بعض الْخَوَارِج فِي ضَرْبَة ابْن ملجم لعَلي رَضِي الله عَنهُ: -
| (يَا ضَرْبَة من تقى مَا أَرَادَ بهَا | إِلَّا ليدرك من ذِي الْعَرْش رضوانا) |
| (إِنِّي لأذكر يَوْمًا فأحسبه | أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا) |
وَقَوله تَعَالَى: فَلَا تظلم نفس شَيْئا أَي: [لَا] يُزَاد فِي سيئاته، وَلَا ينقص من حَسَنَاته.
وَقَوله: وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَي: زنة حَبَّة خَرْدَل.
وَقَول: أَتَيْنَا بهَا أَي: أحضرناها؛ لنجازى عَلَيْهَا.
وقرىء فِي الشاذ: " آتَيْنَا بهَا " بِمد الْألف، من الإيتاء أَي: جازينا بهَا أَو أعطينا بهَا.
وَقَوله: وَكفى بِنَا حاسبين أَي: محاسبين، وَقيل: حافظين عَالمين، وَقيل: محصين. صفحة رقم 384
وَكفى بِنَا حاسبين (٤٧) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفرْقَان وضياء وذكرا لِلْمُتقين (٤٨) الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالْغَيْبِ وهم من السَّاعَة مشفقون (٤٩) وَهَذَا ذكر مبارك أَنزَلْنَاهُ أفأنتم لَهُ منكرون (٥٠) وَلَقَد آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رشده من قبل وَكُنَّا بِهِ عَالمين (٥١) إِذْ قَالَ
صفحة رقم 385تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم