٦ الموازين القسط : الموازين المضبوطة العادلة.
في الآيات :
١- أمر للنبي بسؤال الكفار منددا مقرعا عمن يستطيع أن يحفظهم من عذاب الله إذا باغتهم، وعما إذا كانت آلهتهم التي يشركونها معه تستطيع أن تحميهم في حين أنها ليست مستطيعة أن تحمي نفسها، وليس لها من الله صاحب ولا مجير.
٢- وتعنيف للكفار على إعراضهم عن تدبر الأمور والاتعاظ بآيات القرآن.
٣- وإشارة إلى ما داخلهم من غرور بسبب ما نالوه هم وآباؤهم من الجاه والمال فظنوا أنهم أصبحوا في أمان، وسؤال تنديدي عما إذا كانوا لم يروا ما يفعله الله بالكفار وبلادهم ؛ حيث يهلكهم ويدمر بلادهم، وعما إذا كان يصح لمن يرى ذلك أن يغتر ويأمن ويظن أنه يعجز الله ويفلت منه ويغلبه.
٤- وأمر للنبي بأن يقول للكفار : إنما هو نذير لهم ليذكرهم بالقرآن الموحى إليه من الله ؛ حيث يكون بذلك قد قام بواجبه ؛ لأنه غير مكلف بإقناع من قسا قلبه واشتد عناده وأصبح كالأصم الذي لا يسمع النداء والنذر.
٥- وإنذار للكفار بسوء المصير، فلسوف يلقون عذاب الله، ولسوف يشعرون بالندم لأول مس لأيسر هذا العذاب، فيأخذون في الندب والعويل ويعترفون بما كان منهم من إثم وبغي وانحراف ؛ حيث لا ينفع الندم ولا يفيد الاعتراف والعويل. ولسوف يزن الله أعمال الناس بموازينه العادلة يوم القيامة. ويوفي كلا استحقاقه دون ما ظلم ولا إجحاف، حتى لو كان مثقال حبة من خردل من خير وشر حوسب صاحبها عليها حسابا عدلا وكفى الله حسيبا فهو المحيط بكل شيء.
والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا كما هو ظاهر، وهي قوية نافذة استهدفت التذكير والموعظة وإثارة الخوف والارعواء في الكفار، وتنبيههم إلى ما هم فيه من ضلال وما في اغترارهم بقوتهم وارتكانهم على شركائهم من سخف وباطل.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية [ ٤٧ ] حديثا رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول : أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون قال : لا يا رب. قال : أفلك عذر أو حسنة ؟ قال : فبهت الرجل فيقول : لا يا رب، فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فيقول : أحضروه، فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول : إنك لا تظلم، قال : فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. قال : ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم ). وحديثا ثانيا رواه الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو على الأرجح مختصر عن هذا الحديث قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصي عليه فتمايل به الميزان. قال : فيبعث الله به إلى النار. قال : فإذا أدبر به إذا صائح من الرحمن عز وجل يقول : لا تعجلوا فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل الميزان ). وحديثا ثالثا رواه الإمام أيضا عن عائشة جاء فيه :( إن رجلا من أصحاب رسول الله جلس بين يديه فقال : يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم ؟ فقال له رسول الله : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، و إن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي عليك، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ويهتف، فقال رسول الله : ما له لا يقرأ كتاب الله... ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ٤٧ ، فقال الرجل : يا رسول الله : ما أجد شيئا خيرا من فراق هؤلاء يعني عبيده، إني أشهدك أنهم أحرار كلهم ). والحديث الأول من مرويات الترمذي بصيغة قريبة ١. بحيث يمكن القول : إن صحة الأحاديث الثلاثة محتملة.
والأحاديث مدنية والآية مكية. وفضلا عن ذلك فإن الآية تتمة للإنذار والتنديد الموجهين للكفار في الآيات السابقة لها، ومع ذلك فللأحاديث صلة بموضوع الآية بوجه عام.
والإيمان واجب بما يصح عن رسول الله من أخبار المشاهد الأخروية، ومن الحكمة الملموحة في الأحاديث بيان ما لشهادة التوحيد من نفع للإنسان في آخرته، وحث على الإقرار لله بالوحدانية والعمل الصالح وتحذر من أي عمل فيه إساءة أو أذى مهما كان تافها.
التفسير الحديث
دروزة