ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٢:وإنما استبقى إبراهيم صنمهم الأكبر حسبما يوضحه السياق، لإقامة الحجة عليهم عندما يفاجأون بانتهاك حرمة أصنامهم وتحطيمها، فلا يجدون ملجئا إلا ذاك الصنم الكبير، يسألونه ويستفسرونه عن هذه الكارثة، فيبدو إذ ذاك عجز الأصنام التام كبيرها وصغيرها، إذ لا ترد على سؤالهم بأدنى جواب، ولا تنزل بمن فعل هذه الفعلة الكبرى أي عقاب، وتصر على صمتها المطبق دون أن تقدم أي جواب، وبذلك تسقط حرمة الأصنام وهيبتها من القلوب، ويصل إبراهيم إلى الغرض المطلوب، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم : قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون .
وها هنا يبدو نوع من التحول والتطور في الموقف، فقد حكى كتاب الله عن قوم إبراهيم من قبل أنهم استنكروا ما حدث بأصنامهم من التحطيم والتهشيم، ووصفوا فاعل ذلك من قبل أن يعرفوه بأنه من الظالمين قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين



ومما يحسن التنبيه إليه في هذا المقام اختيار كلمة ( فتى ) في وصف إبراهيم قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، واستعمال كلمة ( فتية ) جمع فتى في أصحاب الكهف إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا [ الآية : ١٠ ] إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا [ الآيتان : ١٣ ١٤ ] ففي كلا المقامين يتعلق الأمر بمؤمنين صادقين آمنوا بوجود الله ووحدانيته، وقدرته وحكمته، وتبرأوا من الشرك والمشركين، واعتزلوا قومهم بعدما تحدوهم بالحق المبين، مما أعطوا به الدليل على منتهى الثبات وقوة الشخصية، ونهاية الإخلاص والصبر والتضحية، فضربوا بذلك المثل الأعلى للفتوة، واستحقوا الذكر العاطر في آيات الله المتلوة. روى ابن أبي حاتم في كتابه عن ابن عباس قال : " ما بعث الله نبيا إلا شابا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب " وتلا هذه الآية قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير