المسألة الثانية: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : قُرِئَ رَشَدَهُ كَالْعَدَمِ وَالْعُدْمِ، وَمَعْنَى إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ رُشْدٌ مِثْلُهُ وَأَنَّهُ رُشْدٌ لَهُ شَأْنٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ قَبْلُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ نُبُوَّتَهُ وَاهْتِدَاءَهُ مِنْ قَبْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جَرِيرٍ. وَثَانِيهَا: فِي صِغَرِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حِينَ كَانَ فِي السِّرْبِ وَظَهَرَتْ لَهُ الْكَوَاكِبُ فَاسْتَدَلَّ بِهَا.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ حَمَلَ الرُّشْدَ عَلَى الِاهْتِدَاءِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَنْ مُقَاتِلٍ.
وَثَالِثُهَا: يَعْنِي حِينَ كَانَ فِي صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلِمَ مِنْهُ أَحْوَالًا بَدِيعَةً وَأَسْرَارًا عَجِيبَةً وَصِفَاتٍ قَدْ رَضِيَهَا حَتَّى أَهَّلَهُ لِأَنْ يَكُونَ خَلِيلًا لَهُ، وَهَذَا كَقَوْلِكَ فِي رَجُلٍ كَبِيرٍ: أَنَا عَالِمٌ بِفُلَانٍ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَعْظِيمِهِ أَدَلُّ مِمَّا إِذَا شَرَحْتَ جَلَالَ كَمَالِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ فَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : إِذْ إِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِآتَيْنَا أَوْ بِرُشْدِهِ أَوْ بِمَحْذُوفٍ أَيِ اذْكُرْ مِنْ أَوْقَاتِ رُشْدِهِ هَذَا الْوَقْتَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: التِّمْثَالُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّه تَعَالَى، وَأَصْلُهُ مِنْ مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إِذَا شَبَّهْتَهُ بِهِ وَاسْمُ ذَلِكَ الْمُمَثَّلِ تِمْثَالٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عُبَّادَ أَصْنَامٍ عَلَى صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ ابْتِدَاءَ كَلَامِهِ لِيَنْظُرَ فِيمَا عَسَاهُمْ يُورِدُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ فَيُبْطِلَهَا عَلَيْهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : لَمْ يَنْوِ لِلْعَاكِفِينَ مَفْعُولًا وَأَجْرَاهُ مَجْرَى مَا لَا يَتَعَدَّى كَقَوْلِكَ فَاعِلُونَ لِلْعُكُوفِ أَوْ وَاقِفُونَ لَهَا، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ هَلَّا قِيلَ عَلَيْهَا عَاكِفُونَ كَقَوْلِهِ: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ؟
قُلْتُ: لَوْ قَصَدَ التَّعْدِيَةَ لَعَدَّاهُ بِصِلَتِهِ الَّتِي هِيَ عَلَى.
أَمَّا قَوْلُهُ: قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجِدُوا فِي جَوَابِهِ إِلَّا طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُوجِبُ مزيد النكير لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عَلَى خَطَأٍ مِنْ أَمْرِهِمْ لَمْ يَعْصِمْهُمْ مِنْ هَذَا الْخَطَأِ أَنَّ آبَاءَهُمْ أَيْضًا سَلَكُوا هَذَا الطَّرِيقَ فَلَا جَرَمَ أَجَابَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَاطِلَ لَا يَصِيرُ حَقًّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِهِ، فَلَمَّا حَقَّقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا مِنْ كَلَامِهِ مَخْلَصًا وَرَأَوْهُ ثَابِتًا عَلَى الْإِنْكَارِ قَوِيَّ الْقَلْبِ فِيهِ وَكَانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذَا الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَطُولِ الْعَهْدِ بِمَذْهَبِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لَهُ: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ مُوهِمِينَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ جَادًّا فِي ذَلِكَ فَعِنْدَهُ عَدَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيَانِ التَّوْحِيدِ.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٦ الى ٦٠]
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)
[الآية في قَوْلُهُ تَعَالَى قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ] اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا أُوهِمُوا أَنَّهُ يُمَازِحُ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ فِي أَصْنَامِهِمْ أَظْهَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ أَنَّهُ مُجِدٌّ فِي إِظْهَارِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ وَذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوَّلًا وَبِالْفِعْلِ ثَانِيًا، أَمَّا الطَّرِيقَةُ الْقَوْلِيَّةُ فَهِيَ قَوْلُهُ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَالِقَ الذي خلقها لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ هُوَ الَّذِي يَحْسُنُ أَنْ يُعْبَدَ لِأَنَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَضُرَّ وَيَنْفَعَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِالْعِقَابِ وَالثَّوَابِ. فَيَرْجَعُ حَاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إِلَى الطَّرِيقَةِ التي ذكرها لأبيه في قوله: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[مَرْيَمَ: ٤٢] قال صاحب «الكشاف» : الضمير في فطرهن للسموات وَالْأَرْضِ أَوْ لِلتَّمَاثِيلِ، وَكَوْنُهُ لِلتَّمَاثِيلِ أَدْخَلَ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّأْكِيدِ وَالتَّحْقِيقِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ إِذَا بَالَغَ فِي مَدْحِ أَحَدٍ أَوْ ذَمِّهِ أَشْهَدُ أَنَّهُ كَرِيمٌ أَوْ ذَمِيمٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنَى بِقَوْلِهِ: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ادِّعَاءَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِثْبَاتِ مَا ذَكَرَهُ بِالْحُجَّةِ، وَأَنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ فَأَقُولُ مَا لَا أَقْدِرُ عَلَى إِثْبَاتِهِ بِالْحُجَّةِ، كَمَا لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الِاحْتِجَاجِ لِمَذْهَبِكُمْ وَلَمْ تَزِيدُوا عَلَى أَنَّكُمْ وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ، وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الْفِعْلِيَّةُ فَهِيَ قَوْلُهُ: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَدَلَ إِلَى أَنْ أَرَاهُمْ عَدَمَ الْفَائِدَةِ فِي عِبَادَتِهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : قَرَأَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وباللَّه، وَقُرِئَ تَوَلَّوْا بِمَعْنَى تَتَوَلَّوْا وَيُقَوِّيهَا قَوْلُهُ: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَاءِ وَالتَّاءِ؟ قُلْتُ: إِنَّ الْبَاءَ هِيَ الْأَصْلُ وَالتَّاءَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ الْمُبْدَلِ مِنْهَا وَالتَّاءُ فِيهَا زِيَادَةُ مَعْنًى وَهُوَ التَّعَجُّبُ، كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ تَسْهِيلِ الْكَيْدِ عَلَى يَدِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا مَقْنُوطًا مِنْهُ لِصُعُوبَتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنْ قِيلَ لِمَاذَا قَالَ: لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وَالْكَيْدُ هُوَ الِاحْتِيَالُ عَلَى الْغَيْرِ فِي ضَرَرٍ لَا يَشْعُرُ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْأَصْنَامِ. وَجَوَابُهُ: قَالَ ذَلِكَ تَوَسُّعًا لَمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الضَّرَرَ يَجُوزُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ لَأَكِيدَنَّكُمْ فِي أَصْنَامِكُمْ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ قَدْ أَنْزَلَ بِهِمُ الْغَمَّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا إِذَا رَجَعُوا مِنْ عِيدِهِمْ دَخَلُوا عَلَى الْأَصْنَامِ فَسَجَدُوا لَهَا ثُمَّ عَادُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ قَالَ آزَرُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ خَرَجْتَ مَعَنَا فَخَرَجَ مَعَهُمْ فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَلْقَى نَفْسَهُ وَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ أَشْتَكِي رِجْلِي فَلَمَّا مَضَوْا وَبَقِيَ ضُعَفَاءُ النَّاسِ نَادَى وَقَالَ: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ. وَثَانِيهَا: قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ وَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا إِلَى عِيدِهِمْ لَمْ يَتْرُكُوا إِلَّا مَرِيضًا فَلَمَّا هَمَّ إِبْرَاهِيمُ بِالَّذِي هَمَّ بِهِ مِنْ كَسْرِ الْأَصْنَامِ نَظَرَ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَرَانِي أَشْتَكِي غَدًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصَّافَّاتِ: ٨٨، ٨٩]
وَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ مَعْصُوبًا رَأْسُهُ فَخَرَجَ الْقَوْمُ لِعِيدِهِمْ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: أَمَا واللَّه لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ، وَسَمِعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَحَفِظَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْبَرَ غَيْرَهُ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ وَاعْلَمْ أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ مُمْكِنٌ. ثُمَّ تَمَامُ الْقِصَّةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَخَلَ بَيْتَ الْأَصْنَامِ وَجَدَ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً، وَثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبِلٌ الْبَابَ وَكَانَ مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتَانِ تُضِيئَانِ بِاللَّيْلِ، فَكَسَرَهَا كُلَّهَا بِفَأْسٍ فِي يَدِهِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ إِلَّا الْكَبِيرَ، ثُمَّ عَلَّقَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً وَهَذَا جَمْعٌ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالنَّاسِ، جَوَابُهُ: مِنْ حَيْثُ اعْتَقَدُوا فِيهَا أَنَّهَا كَالنَّاسِ فِي أَنَّهَا تُعَظَّمُ وَيُتَقَرَّبُ إِلَيْهَا، وَلَعَلَّ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهَا تَضُرُّ وَتَنْفَعُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : جُذَاذًا قِطَعًا مِنَ الْجَذِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَقُرِئَ جُذَاذًا جَمْعَ جذيذ وجذاذا جَمْعَ جُذَّةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى: إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ الْكَبِيرُ فِي الْخِلْقَةِ وَيُحْتَمَلُ فِي التَّعْظِيمِ وَيُحْتَمَلُ فِي الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهُمْ إِلَى الْكَبِيرِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى مَقَالَةِ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْدِلُونَ عَنِ الْبَاطِلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَّا إِلَيْهِ لِمَا تَسَامَعُوهُ مِنْ إِنْكَارِهِ لِدِينِهِمْ وَسَبِّهِ لِآلِهَتِهِمْ فَبَكَّتَهُمْ بِمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: ٦٣] أَمَّا إِذَا قُلْنَا:
الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْكَبِيرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يُرْجَعُ إِلَى الْعَالِمِ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فَيَقُولُونَ مَا لِهَؤُلَاءِ مَكْسُورَةً وَمَا لَكَ صَحِيحًا وَالْفَأْسُ عَلَى عَاتِقِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى كَثْرَةِ جَهَالَاتِهِمْ فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا تُجِيبُ وَتَتَكَلَّمُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ اسْتِهْزَاءً بِهِمْ، وَإِنَّ قِيَاسَ حَالِ مَنْ يُسْجَدُ لَهُ وَيُؤَهَّلُ لِلْعِبَادَةِ أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِنْ قِيلَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا عُقَلَاءَ أَوْ مَا كَانُوا عُقَلَاءَ. فَإِنْ كَانُوا عُقَلَاءَ وَجَبَ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ تِلْكَ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، فَأَيُّ حَاجَةٍ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ إِلَى كَسْرِهَا؟ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقَوْمُ كَانُوا يُعَظِّمُونَهَا كَمَا يُعَظِّمُ الْوَاحِدُ مِنَّا الْمُصْحَفَ وَالْمَسْجِدَ وَالْمِحْرَابَ، وَكَسْرُهَا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهَا مُعَظَّمَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ مَا كَانُوا عُقَلَاءَ وَجَبَ أَنْ لَا تَحْسُنَ الْمُنَاظَرَةُ مَعَهُمْ وَلَا بَعْثَةُ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ. الْجَوَابُ: أَنَّهُمْ كَانُوا عُقَلَاءَ وَكَانُوا عَالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا جَمَادَاتٌ وَلَكِنْ لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا تَمَاثِيلُ الْكَوَاكِبِ وَأَنَّهَا طَلْسَمَاتٌ مَوْضُوعَةٌ بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ مَنْ عَبَدَهَا انْتَفَعَ بِهَا وَكُلَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِهَا نَالَهُ مِنْهَا ضَرَرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَسَرَهَا مَعَ أَنَّهُ مَا نَالَهُ مِنْهَا الْبَتَّةَ ضَرَرٌ فَكَانَ فِعْلُهُ دَالًّا عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِهِمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ أَيْ [أَنَّ] مَنْ فَعَلَ هَذَا الْكَسْرَ وَالْحَطْمَ
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي