٨٥٩- النفش : رعي الليل. والهمل : رعي النهار بلا راع١. ( نفسه : ٤/١٨٧ ).
٨٦٠- شهد في لسان العرب له ثلاثة معان : " شهد " بمعنى " علم "، ومنه قوله تعالى : وكنا لحكمهم شاهدين و والله على كل شيء شهيد ٢ أي : عليم. وبمعنى : " أخبر " ومنه شهد عند الحاكم، أي : أخبر، وقوله تعالى : قالوا نشهد إنك لرسول الله ٣، و شهد الله أنه لا إله إلا هو ٤ إن فسر بمعنى : أخبر. وشهد بمعنى : " حضر "، ومنه شهدنا صلاة العيد، وشهد بدرا، وشهود القضاء : تجتمع فيهم الثلاثة، لأنهم يعلمون ويخبرون عند الحاكم. ( نفسه : ١٠/١٥١ ).
٨٦١- قوله تعالى : وكنا لحكمهم شاهدين " حكم " عائد على : الحكمين، والمحكوم له، والمحكوم عليه، فهم أربعة، والمصدر كما يضاف للفاعل، يضاف للمفعول فأضيف للجميع. ( شرح التنقيح : ٢٣٦ ).
٨٦٢- فوائد في قوله تعالى : وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين .
الأولى : دخل على إياس بن معاوية الحسن فوجده يبكي، فسأله عن ذلك فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القضاة ثلاثة : قاضيان في النار " ٥. فذكر منهم رجلا جهل فأخطأ، فقال الحسن : " إن فيما أنزل علينا لرحمة، فذكر الآية، فقال : أثنى الله تعالى على سليمان، ولم يذم داود، بل أثنى عليه باجتهاده ". قال الحسن : فلولا هذه الآية لكان الحكام قد هلكوا.
قال صاحب المقدمات : " والمخطئ إنما يكون له أجر إذا كان من أهل الاجتهاد، وإلا فهو آثم لجرأته على الله بغير علم ".
الثانية : قال صاحب المقدمات : " معنى الآية : عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما : دخل رجلان على داود صلى الله على نبينا وعلى الأنبياء أجمعين، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فادعى إرسال الآخر غنمه في حرثه ليلا، فلم يترك منه شيئا، فقضى له بالغنم كلها، فمر صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بقضاء داود عليه الصلاة والسلام، فدخل سليمان على داود فقال : يا نبي الله، إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال : وكيف ؟ فقال : إن الحرث لا يخفي على صاحبه ما يخرج منه كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث. فقال له داود : قد أصبت ".
وقال غيره : الحرث كان كرما٦، فعلى هذا تدل الآية على أن المصيب واحد، كما قاله الشافعي وأبو حنيفة، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مذهب مالك. وحكى عنه صاحب المقدمات : تصويب الجميع، وأجاب بقوله تعالى : وكلا آتينا حكما وعلما فلو أخطأ ما أوتي حكما وعلما. وجوابه : أن الحكم المؤتى ومالق٧ من هذه القضية.
الثالثة : أن حكم داود عليه السلام لو وقع في شرعنا أمضيناه، لأن قيمة الزرع يجوز أن يؤخذ فيها غنم لأن صاحبها فلس، أو غير ذلك، وحكم سليمان عليه السلام لو وقع في شرعنا ما أمضيناه لأنه إيجاب القيمة مؤجلة، ولا يلزم ذلك صاحب الحرث، وإحالته له على أعيان لا يجوز بيعها الآن، وما لا يباع لا يعاوض به في القيم، فيلزم أحد الأمرين : إما أن لا تكون شريعتنا أتم في المصالح وأكمل في الشرائع، أو يكون داود عليه السلام فهم دون سليمان. وهذا موضع يحتاج للكشف والنظر حتى يفهم المعنى فيه.
والجواب : أن مصلحة زمانهم كانت تقتضي أن لا يخرج عين مال الإنسان من بلده إما لقلة الأعيان، وإما لعظم ضرر الحاجة، أو لعدم الزكاة للفقراء بأن تقدم للنار التي تأكل القربان، أو لغير ذلك، وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتم، فيعتبر الحكم، كما هو قولنا في حكم النسخ باعتبار اختلاف المصالح في الأزمان٨، فقاعدة النسخ تشهد لهذا الجواب.
الرابعة : قوله تعالى : وكنا لحكمهم شاهدين المراد بالشهادة هاهنا : العلم، فما فائدته ؟ والتمدح به هاهنا بعيد لأنه تعالى لا يمتدح بحرفي٩، وليس السياق عن هذا أيضا حتى يعلم.
والجواب : أن هذه القصص إنما ذكرت لتقرير أمر رسول الله عليه السلام، لقوله تعالى في صدر السورة : هل هذا إلا بشر مثلكم، أفتاتون السحر وأنتم تبصرون ١٠ فبسط الله القول في هذه القصص ليبين أنه عليه السلام ليس بدعا من الرسل، وأنه يفضل من يشاء من البشر وغيره، ولا يخرج شيئا١١ عن حكمنا، ولا تدخل ذلك غفلة، بل عن علم، ولذلك ما فهمها سليمان دون داود عن غفلة، بل نحن عالمون، فهو إشارة إلى ضبط التصرف وأحكامه لا إلى غير ذلك، كما يقول الملك العظيم : " أعرضت عن زيد وأنا عالم بحضوره "، وليس مقصود سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون المراد المكافأة كقوله تعالى : قد يعلم ما أنتم عليه ١٢ فيكشف أيضا التمدح بالعلم، بل أحكام التصرف في ملكه، وكذلك هاهنا. ( الذخيرة : ١٠/١٣-١٤-١٥ ).
٨٦٣- إن داود عليه السلام قضى بتسليم الغنم لأرباب الزرع قبالة زرعه، وقضى سليمان عليه السلام بدفعها لهم ينتفعون بدرها ونسلها وخراجها حتى يخلف الزرع وينبت زرع آخر١٣. ( الفروق : ٤/١٨٦ ).
٨٦٤- مسألة : إن أرسلت الماشية بالنهار للرعي أو انفلتت فأتلفت فلا ضمان، وإن كان صاحبها معها، وهو يقدر على منعها فلم يمنعها ضمن. ووافقها الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما. وإن انفلتت بالليل وأرسلها مع قدرته على منعها ضمن. ( الفروق : ٤/١٨٦ ).
٢ - سورة المجادلة: ٦..
٣ - سورة المنافقون: ١..
٤ - سورة آل عمران: ١٨..
٥ - رواه ابن ماجة في القضاء. والقصة أوردها ابن كثير في تفسيره: ٣/٢٩٨..
٦ - وهو مروي عن ابن مسعود وشريح ومسروق وغيرهم. ن: تفسير ابن كثير: ٣/٢٩٧-٢٩٨..
٧ - قال المحقق: كذا في الأصل..
٨ - يقول الإمام القرافي: "معنى النسخ أنه سبحانه علم في الأزل أن تحريم الشحوم مثلا مصلحة للمكلفين في الزمن الفلاني مفسدة للمكلفين في الزمن الفلاني، ويعلم في الأزل أنه تعالى يشرعه في وقت المصلحة وينسخه وقت المفسدة... بل الأحكام تابعة لمصالح الأوقات، واختلاف الأمم...". ن: الأجوبة الفاخرة: ٢٠١..
٩ - قال المحقق: كذا في الأصل..
١٠ - سورة الأنبياء: ٣..
١١ - هكذا نقله المحقق من الأصل..
١٢ - سورة النور: ٦٤..
١٣ - ن: مختلف الروايات في هذا الموضوع في تفسير ابن كثير: ٣/٢٩٨..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي