القصة الخامسة : قصة داود وسليمان عليهما السلام المذكورة في قوله تعالى : وداود وسليمان ابنه أي : اذكرهما واذكر شأنهما إذ أي : حين يحكمان في الحرث الذي أنبت الزرع وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت، قال ابن عباس : وأكثر المفسرين كان ذلك كرماً قد تدلت عناقيده، وقال قتادة : كان زرعاً قال ابن الخازن وهو أشبه للعرف إذ نفشت أي : انتشرت ليلاً بغير راع فيه غنم القوم فرعته، قال قتادة : النفش في الليل والعمل في النهار وكنا لحكمهم أي : الحكمين والمتحاكمين إليهما شاهدين أي : كان ذلك بعلمنا ومرأى منّا لا يخفى علينا علمه، وقال الفرّاء : جمع الاثنين فقال لحكمهم ويريد داود وسليمان ؛ لأن الاثنين جمع وهو مثل قوله تعالى : فإن كان له أخوة فلأمه السدس [ النساء، ١١ ]
وهو يريد أخوين، قال ابن عباس وقتادة وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع : إنّ هذا انفلتت غنمه ليلاً، فوقعت في حرثي، فأفسدته، فلم تبق منه شيئاً، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث فخرجا فمرّا على سليمان عليه السلام فقال : كيف قضى بينكما، فأخبراه، فقال سليمان وهو ابن إحدى عشر سنة : لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا، وروي أنه قال : غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال : كيف تقضي، ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوّة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرّها ونسلها وصوفها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود : القضاء ما قضيت. كما قال تعالى : ففهمناها .
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني