نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٢:ثم يقول الحق سبحانه :
فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ( ١٠٢ ) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ( ١٠٣ ) :
ثقلت وخفت هنا للحسنات، يعني : كانت حسناته كثيرة أو كانت قليلة. ويمكن أن نقول : ثقلت موازينه بالسيئات يعني : كثرت الحسنات، لكن القرآن تكلم من ناحية أن العمدة في الأمر الحسنات.
والميزان يقوم على كفتين في أحدهما الموزون، وفي الأخرى الموزون به، وللوزن ثلاث صور عقلية : أن يخف الموزون، أو يخف الموزون به، أو يستويا، وقد ذكرت الآية حالتين : خفت موازينه، وثقلت موازينه، كما جاء في قوله تعالى : فأما من ثقلت موازينه ( ٦ ) فهو في عيشة راضية ( ٧ ) وأما من خفت موازينه ( ٨ ) فأمه هاوية ( ٩ ) وما أدراك ما هيه ( ١٠ ) نار حامية ( ١١ ) [ القارعة ].
أما حالة التساوي فقد جاءت لها إشارة رمزية في سورة الأعراف :
وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ( ٤٦ ) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ( ٤٧ ) [ الأعراف ].
فمن غلبت حسناته ذهب إلى الجنة، ومن غلبت سيئاته ذهب إلى النار، وبقي أهل الأعراف بين الجنة والنار، لأنهم تساوت عندهم كفتا الميزان، فلا هو من أهل الجنة، ولا هو من أهل النار، فهم على الأعراف، وهو السور بين الجنة والنار ينظرون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء.
ثم يقول تعالى في شأنهم : لم يدخلوها وهم يطمعون ( ٤٦ ) [ الأعراف ]، لأن رحمة الله سبقت غضبه، وعفوه سبق عقابه.
ومعنى ثقلت موازينه وخفت موازينه يدل على أن الأعمال تصبح ولها كثافة وجرم يعطي ثقلا، أو أن الله تعالى يخلق في كل عمل له كتلة، فحسنة كذا بكذا، والمراد من الميزان دقة الفصل والحساب.
ونلحظ في الآية : فمن ثقلت موازينه.. ( ١٠٢ ) [ المؤمنون ] : بالجمع ولم يقل : ميزانه، لماذا ؟ قالوا : لأنه يمكن أن يكون لكل جهة عمل ميزان خاص، فللصلاة ميزان، وللمال ميزان، وللحج ميزان.. إلخ ثم تجمع له كل هذه الموازين.
وقوله : ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم.. ( ١٠٣ ) [ المؤمنون ] : لأنهم أخذوا لها القليل العاجل، وفوتوا عليها الكثير الآجل، وسارعوا إلى متعة فانية، وتركوا متعة باقية، لأن الدنيا أجلها محدود، والزمن فيها مظنون، والخير فيها على قدر إمكانات أهلها.
أما الآخرة فزمنها متيقن، وأجلها ممدود خالد، والخير فيها على قدر إمكانات المنعم عز وجل، فلو قارنت هذا بذاك لتبين لك مدى ما خسروا، لذلك تكون النتيجة أنهم في جهنم خالدون ( ١٠٣ ) [ المؤمنون ].
ثم يعطينا الحق سبحانه صورة تبشع الجزاء في جهنم، وتصور أهوالها، وذلك رحمة بنا لنرتدع من قريب، ونعمل جاهدين على أن ننجي أنفسنا من هذا المصير، وننفر من هذه العاقبة البشعة، كما يقول الشرع بداية : سنقطع يد السارق، فهو لا يريد أن يقطع أيدي الناس، إنما يريد أن يمنعهم ويحذرهم هذه العاقبة.
ومن ذلك قوله تعالى في مسألة القصاص : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.. ( ١٧٩ ) [ البقرة ] :
وقد هوجم القصاص كثيرا من أعداء الإسلام، إذ يقولون : يكفي أن قتل واحد من المجتمع، فكيف نقتل الآخر ؟ والقرآن لم يضع القصاص ليقتل الاثنين، إنما وضعه ليمنع القتل، وليستبقي القاتل والقتيل أحياء، فحين يعرف القاتل أنه سيقتل قصاصا يمتنع ويرتدع، فإن امتنع عن القتل فقد أحيينا القاتل والقتيل، وقد عبروا عن هذا المعنى فقالوا : القتل أنفى للقتل.
تفسير الشعراوي
الشعراوي