ثم ذكر ابتداء خلق الإنسان وأطواره وانتهاء أمره، فقال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذالِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
قلت :" خلق " : إن كان بمعنى اخترع وأحدث ؛ تعدى إلى واحد، وإن كان بمعنى صَيَّر ؛ تعدى إلى مفعولين، ومنه ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، ومن بعده.
يقول الحق جل جلاله : ولقد خلقنا الإنسان ؛ جنس الإنسان، أو آدم، من سُلالةٍ ؛ " من " : للابتداء، والسلالة : الخُلاصة ؛ لأنها تسل من بين الكدر، وهو ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، فإن ( فُعالة ) اسم لما يحصل من الفعل، فتارة يكون مقصوداً منه، كالخُلاصة، وتارة غير مقصود، كالقُلامة والكناسة، والسلالة من قبيل الأول ؛ فإنها مقصودة بالسَّل، وقيل : إنما سمي التراب الذي خُلق من آدم سلالة، لأنه سُلّ من كل تربة. وقوله :( من طين )، بيان، متعلقة بمحذوف، صفة للسلالة، أي : خلقناه من سلالة كائنة من طين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي