ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

ثم ذكر ابتداء خلق الإنسان وأطواره وانتهاء أمره، فقال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذالِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
قلت :" خلق " : إن كان بمعنى اخترع وأحدث ؛ تعدى إلى واحد، وإن كان بمعنى صَيَّر ؛ تعدى إلى مفعولين، ومنه ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، ومن بعده.
يقول الحق جل جلاله : ولقد خلقنا الإنسان ؛ جنس الإنسان، أو آدم، من سُلالةٍ ؛ " من " : للابتداء، والسلالة : الخُلاصة ؛ لأنها تسل من بين الكدر، وهو ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، فإن ( فُعالة ) اسم لما يحصل من الفعل، فتارة يكون مقصوداً منه، كالخُلاصة، وتارة غير مقصود، كالقُلامة والكناسة، والسلالة من قبيل الأول ؛ فإنها مقصودة بالسَّل، وقيل : إنما سمي التراب الذي خُلق من آدم سلالة، لأنه سُلّ من كل تربة. وقوله :( من طين )، بيان، متعلقة بمحذوف، صفة للسلالة، أي : خلقناه من سلالة كائنة من طين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : اعلم أن الروح لها أطوار كأطوار البشرية، من الضعف والقوة شيئاً فشيئاً، باعتبار قوة اليقين، والترقي إلى العلم بالله ومشاهدته، فتكون أولاً صغيرة العلم، ضعيفة اليقين، تم تتربى بقوت القلوب وغذاء الأرواح ؛ فقوتُ القلوب : العمل الظاهر، وقوت الأرواح : العمل الباطن، فلا تزال تتقوت بالعمل الظاهر شيئاً فشيئاً حتى تقوى على كمالِ غايته، ثم تنتقل إلى قوت العمل الباطن ؛ كالذكر القلبي، والتفكر والاعتبار، وجولان القلب في ميادين الأغيار، ثم دوام حضور القلب مع الحق على سبيل الاستهتار، ثم يفتح لها ميادين الغيوب، ويوسع عليها فضاء الشهود، فيكون قُوتها حينئذٍ رؤية المحبوب، وهو غاية المطلوب، فتبلغ مبلغ الرجال، وتحوز مراتب الكمال، ومن لم يبلغ هذا بقي في مرتبة الأطفال، ولا يمكن حصول هذا إلا بصحبة طبيب ماهر، يعالجها ويربيها، وينقلها من طور إلى طور، وإلاَّ بقيت الروح مريضة لا تتقوت إلا بالمحسوسات، وهي لا تُشبع ولا تُغني من جوع. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير