ولمَّا أجاب الله دعاءه قال : فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا أي : بحفظنا وكلائنا، كان معه من الله حُفّاظاً يكلأونه بعيونهم لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه عمله ١.
قيل : كان نوح نجاراً، وكان عالماً بكيفية اتخاذ الفلك٢.
وقيل : إن جبريل - عليه السلام٣ - علّمه السفينة. وهذا هو الأقرب لقوله :«بأَعْيُنِنَا وَوَحْينَا »٤. فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا . واعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم، لأن قولك : هذا أمر تردد الذهن بين المفهومين فدل ذلك على كونه حقيقة فيهما٥. وقيل : إنما سماه أمراً تعظيماً وتفخيماً كقوله : قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ٦ ٧ [ فصلت : ١١ ].
قوله :«وَفَارَ التَّنُّور » تقدم الكلام في التنور في سورة هود٨. «فَاسْلُكْ فِيهَا » أي : ادخل فيها. يقال : سَلَك فيه دَخَلَهُ، وسَلَكَ غيره وأَسْلَكَهُ٩ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين أي : من كل زوجين من الحيوان ( الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكيلا ينقطع نسل ذلك الحيوان )١٠ وكل واحد منهما زَوْج، لا كما تقوله العامة : إنَّ الزوجَ هو الاثنان١١. روي أنه لم يحمل إلاّ ما يَلِدُ ويَبيضُ١٢. وقرئ :«مِنْ كُلٍّ » بالتنوين و «اثْنَيْن » تأكيد وزيادة بيان١٣ «وَأهْلَكَ » أي : وأدْخل أَهْلَك إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ولفظ ( على ) إنما يستعمل في١٤ المضارّ قال تعالى : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ١٥ ١٦ [ البقرة : ٢٨٦ ]. وهذه الآية تدل على أمرين :
أحدهما : أنه تعالى أمره بإدخال سائر مَنْ آمَنَ به، وإن لم يكن من أهله. وقيل : المراد بأهله من آمَنَ دون من يتعمل به نسباً أو١٧ حسباً. وهذا ضعيف، وإلاّ لما جاز الاستثناء بقوله : إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول .
والثاني : قال : وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا يعني : كنعان، فإنه - سبحانه - لَمَّا أخبر بإهلاكهم، وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم. لأنه إن أجابه إليه، فقد صيّر خبره الصادق كذباً، وإن لم يجبه إليه، كان١٨ ذلك تحقيراً لشأن نوح - عليه السلام١٩ -، فلذلك٢٠ قال :«إِنَّهُم مُغْرَقُونَ » أي : الغرق نازل بهم لا محالة ٢١.
٢ انظر الفخر الرازي ٢٣/٩٤..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٣/٩٤..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٣/٩٥..
٦ من قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت: ١١]..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٣/٩٥..
٨ عند قوله تعالى: حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين [هود: ٤٠]. وذكر ابن عادل هناك: والتنور قيل وزنه (تفعول)، فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها، ثم حذفت تخفيفا، ثم شددت النون للعوض عن المحذوف ويعزى هذا لثعلب. وقيل وزنه (فعول) ويعزى لأبي علي الفارسي.
وقيل: هو أعجمي وعلى هذا فلا اشتقاق له، والمشهور أنه مما اتفق فيه لغة العرب والعجم كالصابون. انظر اللباب ٤/٣٤٥..
٩ في اللسان (سلك): سلك المكان يسلكه سلكا وسلوكا وسلكه غيره، وفيه، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه. قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
| حتى إذا أسلكوهم في قتائدة | شلا كما تطرد الجمالة الشردا |
وهم منعوا الطريق وأسلكوهم *** على شماء مهواها بعيد.
١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ الزوج: خلاف الفرد، ويقال: زوج وفرد، فالزوج الفرد الذي له قرين. قال أبو بكر: العامة تخطئ فتظن أن الزوج اثنان، وليس ذلك من مذاهب العرب، إذ كانوا لا يتكلمون بالزوج موحدا في مثل قولهم: زوج حمام، ولكنهم يثنونه فيقولون: عندي زوجان من الحمام يعنون ذكرا وأنثى. اللسان (زوج)..
١٢ الفخر الرازي ٢٣/٩٥..
١٣ والقراءة بالتنوين قراءة حفص عن عاصم. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بلا تنوين. فمن نون عدي الفعل، وهو "أسلك" إلى "زوجين" فنصبهما بالفعل وجعل "اثنين" نعتا لـ "زوجين" وفيه معنى التأكيد، و" من" على هذا يجوز أن تتعلق بـ "اسلك"، وأن تكون حالا، والتقدير: اسلك فيها زوجين اثنين من كل شيء أو صنف، ثم حذف ما أضيف إليه "كل" فنون. ومن أضاف عدى الفعل إلى "اثنين"، وخفض "زوجين" لإضافة "كل" إليهما والتقدير: اسلك فيها اثنين من كل زوجين أي: من كل صنفين. فـ "من" على هذا حال، لأنها صفة للنكرة قدمت عليها ويجوز أن تكون "من" زائدة، والمفعول "كل" و "اثنين" توكيد، وهذا على قول الأخفش. السبعة (٤٤٥)، الكشف ١/٥٢٨، الحجة لابن خالويه (١٨٦)، التبيان ٢/٦٩٧ – ٦٩٨..
١٤ في: سقط من ب..
١٥ [البقرة: ٢٨٦]..
١٦ الكشاف ٣/٤٦، الفخر الرازي ٢٣/٩٥..
١٧ في ب: و..
١٨ في ب: وكان..
١٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٠ في ب: فكذلك. وهو تحريف..
٢١ انظر الفخر الرازي ٢٣/٩٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود