قلت : ذكر في الحاشية وجوهاً من المناسبة، فقال : لمّا استطرد ذكر الفلك ناسب ذكر نوح إثره، لقوله :( اصنع الفلك )، وأيضاً : هو أبو البشر الثاني، فَذُكِرَ كما ذكر أولاً آدم، في ذكر خلق الإنسان، وأيضاً في ذكر نجاة المؤمنين وفلاحهم، فناسب صدر السورة، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن، كما صرح بذلك في قوله في آخرها :( إنه لا يفلح الكافرون )، وفي النجاة في الفلك مناسبة للنعم المقررة قبل ذكره. ه.
فأوحينا إليه ؛ أجبنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك أَنِ اصنعِ الفُلكَ بأعيننا أي : ملتبساً بحفظنا وكلاءتنا، كأنَّ معك حُفاظنا يكلؤونك بأعينهم، لئلا يتعرض لك أحد، يفسد عملك، ومنه قولهم : عليه من الله عيون كالئة، ووَحْينا أي : أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي : أنه أوحى إليه أن يصنعها مثل جُؤْجؤ الطائر. وفي القاموس جُؤجؤ -كَهُدْهُد- : الصدرُ. فإذا جاء أَمْرُنا أي : عذابنا بأمرنا، وفار التنُّور أي : فار الماء من تنور الخبز، فخرج سبب الغرق من موضع الحرق ؛ ليكون أبلغ في الإنذار والاعتبار. رُوي أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور من التنور ؛ فاركب أنت وأهلك السفينة، فلما نبع الماء من التنور ؛ أخبرته امرأته، فركب، وكان التنور تنورَ آدم، فصار إلى نوح، وكان من حجارة. واختلف في مكانه، فقيل : في مسجد الكوفة عن يمين الداخل، وقيل : بالشام، وقيل : بالهند.
فإذا فار فاسْلُكْ فيها : فَأَدْخِلْ في السفينة من كل زوجين اثنين ؛ من كل أمة اثنين مزدوجين، ذكر وأنثى. قال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والدود والذباب، فلم يحمل منه شيئاً، وإنما يخرج من الطير. ه. و احمل في السفينة أهلَك ؛ نساءك وأولادك، أو من آمن معك، إلا من سبق عليه القولُ منهم أي : القول من الله بهلاكه، وهو ابنه وإحدى زوجتيه، وإنما جيء بعلى ؛ لكون السابق ضاراً، كما جيء باللام في قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى [ الأنبياء : ١٠١ ]،
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [ الصافات : ١٧١ ] ؛ لكونه نافعاً، ونحوه : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : ٢٨٦ ]، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون أي : لا تسألني نجاة الذين كفروا، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة ؛ لظلمهم بالإشراك والإصرار، ومَنْ هذا شأنه لا يُشفع له، وكأنه عليه السلام ندم على الدعاء عليهم، حين تحقق هلاكهم، فهَمَّ بمراجعة الحق فيهم ؛ شفقة ورحمة، فَنُهي عن ذلك.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي