ثم يقول الحق سبحانه :
إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ( ٣٠ ) :
وفي ذلك.. ( ٣٠ ) [ المؤمنون ] : يعني : فيما تقدم لآيات.. ( ٣٠ ) [ المؤمنون ] : عبر وعظات وعجائب، لو فكر فيها المرء بعقل محايد لانتهى إلى الخير وإن كنا لمبتلين ( ٣٠ ) [ المؤمنون ] : فلا تظن أن الابتلاء مقصور على الظلمة والكافرين الذين أخذهم الله وأهلكهم، فقد يقع الابتلاء بمن لا يستحق الابتلاء، وحين يبتلي الله أهل الخير والصلاح فما ذلك إلا ليزداد أجرهم وترفع مكانتهم ويمحص إيمانهم.
ومن ذلك الابتلاءات التي وقعت بالمسلمين الأوائل، فإنها لم تكن كراهية لهم أو انتقاما منهم، إنما كانت تصفية لمعدنهم وإظهارا لإيمانهم الراسخ الذي لا يتزعزع، لأنهم سيحملون دعوة الله إلى أن تقوم الساعة، فلا بد من تمحيصهم وتصفيتهم.
كما قال سبحانه : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ( ٢ ) [ العنكبوت ]. لا، لا بد من الابتلاء الذي يميز الصادقين ممن يعبد الله على حرف، لا بد أن يتساقط هؤلاء من موكب الدعوة، ولا يبقى إلا المؤمنون الراسخون على إيمانهم الذين لا تزعزعهم الأحداث.
إذن : المعنى وإن كنا لمبتلين ( ٣٠ ) [ المؤمنون ] : يعني : أهل الإيمان الذين لا يستحقون العذاب، لأننا نحب أن نرفع درجاتهم ونمحص إيمانهم ليكونوا أهلا لدعوة الله، لذلك يقول الحق- تبارك وتعالى- في الحديث القدسي :
" وعزتي وجلالي، لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردت به الخير حتى أوفيه ما عمله من السيئات، من مرض في جسمه وخسارة في ماله، وفقد في ولده، فإذا بقيت عليه سيئة ثقلت عليه سكرات الموت حتى يأتيني كيوم ولدته أمه.. وعزتي وجلالي، لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردت به الشر حتى أوفيه ما عمله من الحسنات، صحة في جسمه، وبركة في ماله وولده، فإذا بقيت له حسنة خففت عليه سكرات الموت حتى يأتيني وليست له حسنة ".
إذن : فالابتلاء كما يكون انتقاما من الكفرة والظلمة يكون كذلك تربيبا للنفع، وتمحيصا للإيمان، وإرادة للثواب.
تفسير الشعراوي
الشعراوي