والذين هم للزكاة فاعلون : مؤدون، والمراد بالزكاة : المصدر، الذي هو الإخراج، لا المخرج. ويجوز أن يراد به العين، وهو الشيء المُخْرج، على حذف مضاف، أي : لأداء الزكاة فاعلون. وصفهم بذلك، بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ؛ للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القصوى من القيام بالطاعة البدنية والمالية، والتجنب عن النقائص، وتوسيط الإعراض عن اللغو بينهما ؛ لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة ؛ لأن من لزم الصمت والاشتغال بما يعني عَظُم خشوعُه وأُنسه بالله.
قلت : كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن، فأول الفلاح : الدخول في حوز الإسلام بحصول الإيمان، وغايته : إشراق شمس العرفان، وأول الإيمان : تصديق القلب بوجود الرب، من طرق الاستدلال والبرهان، وغايته : إشراق أسرار الذات على السريرة، فيصير الدليل محل العيان، فتَبتَهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان، وأول الخشوع : تدبر القلب فيما يقول، وحضوره عندما يفعل، وغايته : غيبته عن فعله في شهود معبوده، فينمحي وجود العبد عند تجلي أنوار الرب، فتكون صلاته شكراً لا قهراً، كما قال سيد العارفين صلى الله عليه وسلم :" أفلا أكون عبداً شكوراً ".
ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو، وهو كل ما يشغل عن الله، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة الله، وإمساك الجوارح عن محارم الله، وحفظ الأنفاس والساعات، التي هي أمانات عند العبد من الله.
قال في القوت : قال بعض العارفين : إن لله -عز وجل- إلى عبده سرّيْن يُسِرهما إليه، يُوجده ذلك بإلهام يُلهَمهُ، أحدهما : إذا وُلِد وخرج من بطن أمه، يقول له : عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عُمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، وسِرٌ عند خروج روحه، يقول له : عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية، فألقاك بالوفاء والجزاء ؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ فهذا داخل في قوله عز وجل : وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ، وفي قوله عز وجل : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : ٤٠ ] فعُمْر العبد أمانة عنده، إن حفظه فقد أدى الأمانة، وإن ضيَّعه فقد خان، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ [ الأنفال : ٥٨ ]. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي