ووصف كتاب الله العلامة الثالثة التي تميز المومنين المفلحين فقال : والذين هم للزكاة فاعلون ، إشارة إلى أنهم لا يعرفون الشح والبخل، ولا يتأخرون عن إسعاف المحتاجين من إخوتهم في الدين أو إخوتهم في الإنسانية، بل يجودون بالموجود على كل محتاج في هذا الوجود، إيمانا منهم بأن المال مال الله، وأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وهذا المعنى يؤكده قوله تعالى في آية أخرى : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [ الحشر : ٩ ]. وكلمة " الزكاة " هنا واردة بمعناها الشرعي المفهوم في الإسلام، وهو الحق الواجب في المال بمختلف أنواعه، فقد كانت من الفرائض الأولى التي شرع أصلها بمكة ونزل بها الوحي في السور المكية، كما في هذه السورة وسورة الأنعام المكية أيضا، إذ قال تعالى في شأن الزكاة : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده [ الآية : ١٤١ ]. لكن إخراجها في العهد المكي كان موكولا إلى إيمان المومن وضميره الحي كيف شاء وبأي قدر شاء، فلما نزلت الآية المدنية، وقامت الدولة الإسلامية، وقع تحديد مقاديرها وأنصبتها وشروطها والجهات التي تصرف إليها في السنة الثانية من الهجرة، وأصبحت موردا من الموارد العامة لبيت مال المسلمين، وحقا ثابتا للمعسرين في ذمة الموسرين.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري