ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

ثم بيّن تعالى١ الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق قيل : إن جبريل - عليه السلام٢ - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس : الصيحة الرجفة٣. وعن الحسن : الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت : دعي فأجاب.
وقيل : هي العذاب المصطلم٤، قال الشاعر :

صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان٥
والأول أولى لأنه الحقيقة٦.
قوله :«بالحقِّ » أي : دمرناهم بالعدل، من قولك : فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه ٧. وقال المُفضل :«بالحقِّ » بما لا مدفع له كقوله٨ : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ٩ ١٠ [ ق : ١٩ ].
قوله :«فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً » الجعل بمعنى : التصيير، و «غُثَاءً » مفعول ثان، والغُثَاء : قيل : هو الجفاء، وتقدم في الرعد١١، قاله الأخفش١٢ وقال الزجاج : هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود١٣، ومنه قوله :«غُثَاءً أَحْوَى »١٤ وقيل : كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به١٥، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُوا غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي : خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء ١٦.
وتشدد ( ثاء ) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان١٧ وأنشدوا لامرئ القيس :
مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةَُ مِغْزَلِ١٨ ***. . . بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي : والأَغْثَاء.
قوله : فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين «بُعْداً » مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل : بَعُدَ١٩ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً٢٠ وفي هذه اللام قولان :
أظهرهما : أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري٢١.
والثاني : أنَّها متعلقة ب «بُعْداً » قاله الحوفي٢٢. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجروها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله : والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ ٢٣ [ محمد : ٨ ] لأن اللام لا تتعلق ب «تَعْساً » بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك٢٤، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى٢٥.

فصل


«فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً » صيرناهم ٢٦هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، «فَبُعْداً » بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير «لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ » الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم٢٧.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/١٠٠..
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ الرجفة: الزلزلة. ورجفت الأرض ترجف رجفا: اضطربت اللسان (رجف)..
٤ الاصطلام: الاستئصال وهو افتعال من الصلم، وهو القطع. اللسان (صلم)..
٥ البيت من بحر الكامل، لم أهتد إلى قائله، وهو في الفخر الرازي ٢٣/١٠٠، البحر المحيط ٦/٤٠٦..
٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/١٠٠..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠٠..
٨ في ب: كقولك. وهو تحريف..
٩ [ق: ١٩]..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠٠، البحر المحيط ٦/٤٠٦..
١١ عن قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا فأما الزبد فيذهب جفاء [الرعد: ١٧]. وذكر ابن عادل هناك: والجفاء: قال ابن الأنباري المتفرق، يقال: جفأت الريح السحاب، أي: قطعته وفرقته، وقيل: الجفاء ما يرمي به السيل يقال: جفأت القدر بزبدها تجفأ من باب قطع، وجفأ السيل بزبده وأجفأ وأجفل باللام. انظر اللباب ٥/١٠٠..
١٢ قال الأخفش: الغثاء والجفاء واحد. وهو ما احتمله السيل من القذر والزبد. انظر قول الأخفش في البحر المحيط ٦/٣٩٣، وهو غير موجود في معاني القرآن..
١٣ معاني القرآن وإعرابه ٤/١٣..
١٤ من قوله تعالى: فجعله غثاء أحوي [الأعلى: ٥]..
١٥ انظر البحر المحيط ٦/٣٩٣..
١٦ انظر اللسان (غثا)..
١٧ لأن (فعال) لا يجمع على (أفعال)، وإنما يجمع جمع قلة على أفعلة لأنه رباعي قبل آخره مد، فهو يساوي في القلة فعال – وبالفتح – وفعال – بالكسر – كـ (زمان) أزمنة، و (مكان) أمكنة، و (حمار) أحمرة، و(خلال) أخلة. وبابه في الكثير (فعلان) كغلمان، وغربان، وخرجان وذبان.
شرح الشافية ٢/ ١٢٨- ١٢٩..

١٨ عجز بيت من بحر الطويل، قاله امرؤ القيس، وهو من معلقته، وهو في الديوان (٢٥)، والكشاف ٣/٤٨، وشرح شواهده (٩٩)..
١٩ في ب: بعدا. وهو تحريف..
٢٠ "بعدا" من جملة المصادر التي قال سيبويه إنها نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها، ومنها: سقيا، ورعيا، وخيبة. حيث قال: (إنما ينتصب هذا وما أشبهه إذا ذكر مذكور فدعوت له أو عليه، على إضمار الفعل، كأنك قلت: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا، وخيبك الله خيبة، فكل هذا وأشباهه على هذا ينتصب. وإنما اختزل الفعل ههنا، لأنهم جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل، كما جعل الحذر بدلا من احذر. وكذلك هذا كأنه بدل من سقاك الله، ورعاك الله، ومن خيبك الله) الكتاب ١/٣١١ – ٣١٢. وانظر أيضا الكشاف ٣/٤٨، تفسير ابن عطية ١٠/٣٥٨، البحر المحيط ٦/٤٠٦..
٢١ انظر الكشاف ص ٣/٤٨..
٢٢ البرهان ٦/١٥٠..
٢٣ من قوله تعالى: والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم [محمد: ٨] فـ "الذين كفروا" مبتدأ، والخبر محذوف تقديره تعسوا، أو أتعسوا، ودل عليهما "تعسا" ودخلت الفاء تنبيها على الخبر. التبيان ٢/١١٦٠..
٢٤ قال الزمخشري: "والذين كفروا" يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره "فتعسا لهم" كأنه قال: أتعس الذين كفروا) الكشاف ٣/٤٥٤..
٢٥ [محمد: ٨]..
٢٦ في ب: فصيرناهم..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية