قوله : حتى إِذَآ «حَتَّى »(١) هذه إمّا حرف ابتداء(٢) والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية(٣) فجائية، وهي جواب الشرط، وإمّا حرف جر عند بعضهم(٤)، وتقدّم تحقيقه. وقال الحوفي :«حَتَّى » غاية، وهي عاطفة، و «إذَا » ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و «إذَا » الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في «إذَا »، والمعنى : جأروا، والعامل في الثانية «أَخَذْنَا »(٥). وهو كلام لا يظهر(٦).
وقال ابن عطية : و «حَتَّى » حرف ابتداء لا غير، و «إذا »(٧) الثانية - ( التي هي جواب )(٨) - تمنعان من أن تكون «حَتَّى » غاية ل «عَامِلُونَ »(٩). قال شهاب الدين : يعني أنّ الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر أن تكون غاية ل «عَامِلُونَ »(١٠).
وظاهر كلام مكّي أنها غاية ل «عَامِلُونَ »، فإنه قال : أي : لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البرّ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون(١١). والجُؤار : الصراخ مطلقاً(١٢)، وأنشد الجوهري(١٣) :
| يُرَاوِحُ(١٤) مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي | ك طَوْراً(١٥) سُجُوداً وطَوْراً جُؤَارَا(١٦) |
فصل
قال الزمخشري :«حَتَّى » هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية (١٨).
واعلم أن الضمير في «مُتْرفِيهِم » راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار، لأنّ العذاب لا يليق إلا بهم(١٩). والمراد بالمُترفين : رؤساؤهم. قال ابن عباس : هو السيف يوم بدر(٢٠).
وقال الضحاك : يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :«اللهُّم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَر واجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِني يُوسُف »(٢١) فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجِيفَ(٢٢). وقيل : أراد عذاب الآخرة(٢٣). ثم بيّن تعالى أنّهم إذا نزل بهم هذا «يَجْأَرُونَ » أي : ترتفع أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة مَا نَالَهُم.
٢ وهو رأي الجمهور. المغني ١/١٢٩..
٣ في ب: التامة. وهو تحريف..
٤ وهو رأي الأخفش وابن مالك. المغني ١/١٢٩..
٥ البرهان ٦/١٦١..
٦ وبمثل هذا رده أبو حيان. انظر البحر المحيط ٦/٤١٢..
٧ في ب: وإذ. وهو تحريف..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ تفسير ابن عطية ١٠/٣٧٧..
١٠ الدر المصون ٥/٩١..
١١ البحر المحيط ٦/٤١٢..
١٢ انظر اللسان (جأر)..
١٣ الصحاح (جأر)..
١٤ في النسختين: يراوح..
١٥ في النسختين: وطورا..
١٦ البيت من بحر المتقارب، ومن قصيدة للأعشى يمدح فيها قيس بن معد يكرب، وقد تقدم..
١٧ عند قوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون [النحل: ٥٣]..
١٨ الكشاف ٣/٥٠..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٣/١١١..
٢٠ انظر البغوي ٦/٢٧، ١٢/١٣٥..
٢١ أخرجه البخاري (الأذان) ١/١٤٥ ومسلم (مساجد) ١/٤٦٦ – ٤٦٧ أبو داود (الوتر) ٢/١٤٢، النسائي (الافتتاح) ٢/٢٠١ – ٢٠٢..
٢٢ انظر البغوي ٦/٢٧ القرطبي ١٢/١٣٥..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٣/١١١، البحر المحيط ٦/٤١٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود