وقال الفراء: أعمال منتظرة مما سيعملونها (١).
قال صاحب النظم: لَهَا عَامِلُونَ أي بها فتقوم اللام مقام الباء، وقد تكون بمنزلة قوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف: ١٥٤] وقوله: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] وقد يكون بمنزلة من أجل أي: ولهم أعمال سواها هم (٢) من أجل الغمرة التي على قلوبهم عاملون إياها. وفيه دليل على ثبوت القدر لإيجابه -عز وجل- إتيانهم (٣) أعمالاً يعملونها قبل كونها هذا كلامه.
وقد ترى إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أنَّ هذا إخبار عمّا سيعملونه من أعمالهم (٤) الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها. ففي هذا دليل على أن كلا ميسر لما خلق له وأن هؤلاء كتب عليهم ما هم عاملون.
٦٤ - قوله تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل، والسدي: جبابرتهم وأغنياءهم ورؤوسهم (٥).
قال المبرّد: المترف: المتقلب في لين العيش (٦). ومنه قوله -عز وجل-
(٢) (هم): ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): (إيتنافهم) وفي (ظ)، (ع): (إيتنامهم) ولعل الصواب: إتيانهم.
(٤) في (أ): (أعمال).
(٥) "تفسر مقاتل" ٢/ ٣١ ب. وذكر الماوردي ٤/ ٦ عن الكلبي أنه قال: الموسع عليهم بالمال والولد. وذكر الثعلبي ٣/ ٦٢ عن بعضه من غير نسبة الأحد.
(٦) (العيش): ساقطة من (ظ)، (ع).
وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [المؤمنون: ٣٣] (١).
وقوله: بِآلْعَذَابِ يعني بالسيوف يوم بدر. وهو قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، ومقاتل (٥)، والسدي.
وقال الكلبي (٦)، والضحاك (٧): يعني بالجوع سبع سنين، حين دعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (٨).
والقول هو الأول. وهو اختيار أبي إسحاق قال: العذاب الذي أخذوا به السيف (٩).
(٢) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٢ ب.
(٣) رواه الطبري ١٨/ ٣٧، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٧ وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٧ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٥) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ ب.
(٦) ذكره عنه ابن الجوزي ٥/ ٤٨٢.
(٧) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٢ ب. وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٨٢. مع القائلين بالقول الأول.
(٨) روى البخاري في الدعوات -باب الدعاء على المشركين ١١/ ١٩٤ - ١٩٥، ومسلم في المساجد- باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم كسني يوسف".
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨. والأولى عدم تقييده بعذاب معين. قال ابن كثير ٣/ ٢٤٩: أي إذا جاء مترفيهم وهم المنعمون في الدنيا، عذاب الله وبأسه ونقمته بهم.
قوله تعالى: إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ قال ابن عباس: يتضرعون (١).
وقال السدي ومقاتل: يصيحون إلى الله (٢).
وقال الزجاج: يضجون (٣). قال المبرد: هو الضجيج الشديد.
وأنشد أبو عبيدة (٤):
| إنَّنِي والله (٥) فاقْبَلْ حَلِفي (٦) | بأبِيلٍ (٧) كلَّما صَلَّى جَأرْ (٨) |
(٢) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ١١/ ١٧٧ "جأر" عن السدّي. وانظر: "تفسير مقاتل" ٣١٢ ب وفيه: يضجون.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٨.
(٤) في (أ): (أبو عبيد)، وهو خطأ.
(٥) في (ظ)، (ع): (واه).
(٦) في (ع): (خلفي) ومهملة في (ظ).
(٧) في جميع النسخ: (بابيل) مهملة. والمثبت من مجاز القرآن وغيره.
(٨) البيت أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ٢/ ٦٠ عند هذه الآية من سورة "المؤمنون" ونسبه لعدي بن زيد، وروايته "فاسمع" مكان "فأقبل".
وأنشد قبل ذلك ١/ ٣٦١ عند قوله فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣] منسوبًا لعدي وروايته هناك: (فاقبل).
وهو في "ديوان عدي بن زيد العبادي" ص ٦١، "المعاني الكبير" لابن قتيبة ٢/ ٨٣٧، "الأغاني" للأصفهاني ٢/ ١١٣، "مقاييس اللغة" ١/ ٤٢ والصاحبي في "فقه اللغة" (ص ١٠٧) كلاهما لابن فارس، "الصحاح" للجوهري ٤/ ١٦١٩ "أبل"، "لسان العرب" ١١/ ٧: (أبل)، "خزانة الأدب" ١/ ٦٥.
ورواية "الديوان" و"الأغاني": (لأبيل) مكان (بأبيل).
ورواية "الديوان" و"الصاحبي": "حلفتي" مكان (حلفي).
وهذا البيت من قصيدة ذكر "صاحب الأغاني" ٢/ ١١٣ أنه قالها عندما سجنه =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي