ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار فقال : حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هو الجملة الشرطية المذكورة، وهذه الجملة مبينة لما قبلها، والضمير في : مترفيهم راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار. والمراد بالمترفين : المتنعمين منهم، وهم الذين أمدهم الله بما تقدم ذكره من المال والبنين، أو المراد بهم الرؤساء منهم. والمراد بالعذاب هو : عذابهم بالسيف يوم بدر، أو بالجوع بدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم حيث قال :( اللّهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ). وقيل : المراد بالعذاب : عذاب الآخرة ؛ ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار إنما يكون عند عذاب الآخرة، لأنه الاستغاثة بالله ولم يقع منهم ذلك يوم بدر ولا في سني الجوع، ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة : الصراخ والصياح. قال الجوهري : الجؤار مثل الخوار. يقال : جأر، الثور يجأر أي صاح. وقد وقع منهم ومن أهلهم وأولادهم عندما أن عذبوا بالسيف يوم بدر، وبالجوع في سني الجوع، وليس الجؤار ها هنا مقيد بالجؤار الذي هو التضرّع بالدعاء حتى يتم ما ذكره ذلك القائل، وجملة : إذا هم يجأرون جواب الشرط، وإذا هي الفجائية، والمعنى : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب [ جأروا ] بالصراخ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله، قول الله : والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله ؟ قال :( لا، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه ). وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قالت عائشة : يا رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله : والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا قال : يعطون ما أعطوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال : يعملون خائفين. وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا قال : الزكاة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة : والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا قالت : هم الذين يخشون الله ويطيعونه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة قال : قالت عائشة : لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحبّ إليّ من حمر النعم، فقال لها ابن عباس : ما هي ؟ قالت : الذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا وقد قدّمنا ذكر قراءتها ومعناها. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عنها، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ : والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا مقصوراً من المجيء. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر وابن أبي شيبة، وابن الأنباري في المصاحف، والدارقطني في الأفراد، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن عبيد بن عمير ؛ أنه سأل عائشة : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية : والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا ؟ قالت : أيتهما أحبّ إليك ؟ قلت : والذي نفسي بيده لأحدهما أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها جميعاً، قالت : أيهما ؟ قلت :«الذين يَأْتُونَ مَا آتَوا» فقالت : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كذلك، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرّف. وفي إسناده إسماعيل بن عليّ وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أولئك يسارعون فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سابقون قال : سبقت لهم السعادة من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ منْ هذا يعني بالغمرة : الكفر والشك وَلَهُمْ أعمال مّن دُونِ ذلك يقول : أعمال سيئة دون الشرك هُمْ لَهَا عاملون قال : لا بدّ لهم أن يعملوها. وأخرج النسائي عنه : حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب قال : هم أهل بدر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : إذا هم يجأرون قال : يستغيثون، وفي قوله : فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ قال : تدبرون، وفي قوله : سامرا تَهْجُرُونَ قال : تسمرون حول البيت وتقولون هجراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ قال : بحرم الله أنه لا يظهر عليهم فيه أحد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً : سامرا تَهْجُرُونَ قال : كانت قريش يتحلقون حلقاً يتحدّثون حول البيت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ قال : كان المشركون يهجرون برسول الله صلى الله عليه وسلم في القول في سمرهم. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ .