وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة.
وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان :
أحدهما : أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك.
والثاني : أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له١.
ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال : بَلْ جَاءَهُمْ بالحق أي : بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه٢.
فإن قيل٣ قوله : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق.
فالجواب : أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق٤.
٢ انظر الفخر الرازي ٢٣/١١٢..
٣ في ب: قول. وهو تحريف..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٣/ ١١٢ – ١١٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود