حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة :
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ١١ ) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ( ١٢ ) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ( ١٣ ) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ١٤ ) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( ١٥ ) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ( ١٦ ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ١٧ ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٨ ) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ١٩ ) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رءوف رَحِيمٌ ( ٢٠ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢١ ) وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٢٢ ) .
قصة الآيات :
بعد أن ذكر – سبحانه – حكم من قذف الأجنبيات، وحكم من قذف الزوجات، ذكر في الآيات العشر براءة عائشة أم المؤمنين مما رماها به أهل الإفك والبهتان من المنافقين، صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومجمل القصص ما رواه البخاري وغيره، عن عروة بن الزبير، عن خالته أم المؤمنين عائشة قالت :
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرجت قرعتها استصحبها، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ( نصيبي ) ؛ فخرجت معه بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي بالرحيل، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوا على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفتي، فلم يستنكروا خفة الهودج وذهبوا بالبعير ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس فيها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي وظننت أنهم سيفقدونني ويعودون في طلبي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فلما رآني عرفني فاستيقظت باسترجاعه، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلتة فوطئ على يديها، فقمت إليها فركبتها وانطلق يقود بالراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا في حر الظهيرة، وافتقدني الناس حين نزلوا وماج القوم في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فخاضوا في حديثي فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل فيسلم، يقول :( كيف تيكم ) ؟ فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها بيوتا عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح ( هي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ) قبل بيتى حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت : تعس مسطح، فقلت : أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ فقالت : أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فلما رجعت إلى منزلي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال :( كيف تيكم ) ؟ قلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قال :( نعم ). قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستثبت الخبر من قبلهما، فجئت أبوي، فقلت لأمي : أي أماه، ماذا يتحدث الناس به، فقالت : أي بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قلت : سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالت : نعم، قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدخل علي أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي : ما يبكيها ؟ قالت : لم تكن علمت ما قيل لها. فأكب يبكي، فبكى ساعة ثم قال : اسكتي يا بنية. فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلي المقبل لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى ظن أبواي أن البكاء سيفلق كبدي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت : فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود، فقال : يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية ( يعني بريرة ) تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال :( هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ) ؟ قالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت أمرا أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الدواجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي. فقال وهو على المنبر :( يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ). فقام سعد بن معاذ الأنصاري – رضي الله عنه – فقال : أنا أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة – وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية – فقال : أي سعد بن معاذ، لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من أهلك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير – وهو ابن عم سعد بن معاذ – فقال لسعد بن عبادة : كذبت، لعمر الله لنقتله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا في بيت أبوي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت على امرأة من الأنصار، فأذنت لها ؛ فجلست تبكي معي، قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلس، ثم قال : أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ). فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه دمعة، قلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال. قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله قد عرفت أن قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم حتى كدتم أن تصدقوا به، فإن قلت لكم إني بريئة – والله يعلم أني بريئة – لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ( يوسف : ١٨ ). ثم وليت فاضطجعت على فراشي وأنا – والله – أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرئني ببراءتي، ولكن – والله – ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا يبرئني الله بها، قالت : والله ما رام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسه ولا خرج من البيت حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال :( أبشري يا عائشة، إن الله قد برأك )، فقالت لي أمي : قومي إليه. فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ... عشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي ؛ قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة. – إلى قوله تعالى – غفور رحيم. فقال أبو بكر : إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال : لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري وما سمعت، فقالت : يا رسول الله، أحمى سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا.
قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك٧٦.
وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول : حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المبرأة من السماء.
التفسير :
١١ - إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
الإفك : أبلغ الكذب والافتراء.
العصبة : الجماعة، وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين، وقد عدت عائشة منها المنافق عبد الله بن أبي بن سلول وقد تولى كبره، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب – رضي الله عنها – وزوج طلحة بن عبيد الله، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت.
كبره :( بكسر الكاف وضمها وسكون الباء ) أي : معظمه، فقد كان يجمعه ويذيعه ويشيعه.
تبدأ هذه الآية الحديث عن موضوع الإفك، وتبين أن الله خبأ فيه الخير من حيث ظن المسلمون أن فيه الشر.
لقد كان حديث الإفك محنة شديدة مرت بالنبي الكريم، فهو القائد الموحى إليه يتهم في عرضه وفي أحب نسائه إليه، وكان محنة للصديق الذي أخلص للإسلام ولنبي الإسلام، ثم يتهم في كريمته، ويجدها تبكي ذات يوم لما أصابها فيبكي لبكائها، ويقول : ما وقع منا ذلك في الجاهلية، فكيف نتهم به في الإسلام ؟ وكان محنة – أي محنة – لعائشة فهي الحصان الرزان المؤمنة الغافلة عن الإثم، تعود مريضة من غزوة بني المصطلق ثم تشفى من مرضها، فتعرف أن القوم يتحدثون عنها، وهي بريئة ولكنها لا تملك إلا البكاء والألم.
وكان محنة لصفوان بن المعطل الصحابي الجليل الذي شهد بدرا، وكان من ساقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمدافعين عنه، ولا يعلم عنه إلا كل خير. وكان محنة للشرفاء والمخلصين من المسلمين، فهذا أبو أيوب الأنصاري يقول لزوجته : يا أم أيوب، ألا ترين ما يقال ؟ فقالت : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوءا ؟ قال : لا. قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة – رضي الله عنها – ما خنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك٧٧.
لقد كشفت حديث الإفك عن المنافقين، وكان درسا عمليا خاض فيه الناس شهرا كاملا، وملأ المجالس والمنتديات، ولم يتحرج بعض المسلمين من إطلاق ألسنتهم بهذه المقالة، وبعد شهر كامل نزل الوحي من السماء، يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله.
أما الآلام التي عاناها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن التجربة وضريبة الابتلاء، وفي الحديث الصحيح :( أشدكم بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه )٧٨.
لقد نجح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الامتحان، فاجتنب أهله، ولم تصدر منه كلمة جارحة لأحد، ونجح الصديق وأهل بيته في الصبر والاحتساب، وكانت هذه الآيات وساما لعائشة.
ثم هي آيات ترسم الطريق للمسلمين، فيما يجب عليهم أن يفعلوه إزاء مثل هذه الشائعات.
أما الذين خاضوا في الإفك، ونشروا هذه المقالة الآثمة ؛ فلكل منهم عقوبته في الدنيا.
وكان عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين، هو الذي روج هذا الأمر وبدأ به، وأشاعه بين أتباعه، فادخر الله له عقابه الأليم يوم القيامة.
روى أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين، وعبد الله بن أبي بن سلول في ملأ من قومه قال : من هذه ؟ فقالوا : عائشة – رضي الله عنها – فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها.
وقد وردت في الروايات أسماء الذين كانوا يتناقلون حديث الإفك في المجتمع وهم : عبد الله بن أبي، وزيد بن رفاعة – والغالب أنه ابن رفاعة بن زيد من اليهود المنافقين – ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. فكان عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة من المنافقين، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش من المؤمنين، ولكن انخدعوا لمكائد الأولين، وخاضوا في حديث الإفك على خطأ منهم وضعف، ولا نعلم من كتب الحديث والسيرة أسماء غير هؤلاء ممن خاضوا في حديث الإفك وإشاعة أخباره.
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ...
إن الذين تقولوا بالإثم هم جماعة منكم، تعاونوا على إعلانه وإذاعته بين الناس.
لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...
أي : لا تظنوا أن فيه فتنة وشرا، بل هو خير لكم لما حمل في طياته من الابتلاء والامتحان، ونزول آيات القرآن.
قال الزمخشري :
ومعنى كونه خيرا لهم، أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم، لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشر آية، كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين – رضوان الله عليها – وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها.
لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ...
أي : لكل امرئ منهم جزاء ما اجترح من الإثم بقدر ما خاض فيه، فإن بعضهم تكلم، وبعضهم ضحك كالمسرور الراضي بما سمع، وبعضهم أقل، وبعضهم أكثر.
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ...
أي : والذي تحمل معظم ذلك الإثم، وهو عبد الله بن أبي له عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. وكان عبد الله ابن أبي هو الذي ابتدأ هذا الكلام وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها. فهو الذي بدأ الخوض، وهو الذي بثه وأشاعه، وقد أخزاه الله في الدنيا وأظهر نفاقه، وله في الآخرة عذاب عظيم.
وقال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح، فجلدهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أنزل الله عذرها.
وهذا رأي ضعيف، فحسان وقع في الفتنة التي دبرها المنافقون، ولم يكن هو الذي تولى كبر الإشاعة وأحكم تدبيرها.
قال ابن كثير :
وهو – أي كون حسان مصداقا لهذه الآية بدلا من عبد الله بن أبي – قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإن حسان من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر.
قصة الآيات :
بعد أن ذكر – سبحانه – حكم من قذف الأجنبيات، وحكم من قذف الزوجات، ذكر في الآيات العشر براءة عائشة أم المؤمنين مما رماها به أهل الإفك والبهتان من المنافقين، صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومجمل القصص ما رواه البخاري وغيره، عن عروة بن الزبير، عن خالته أم المؤمنين عائشة قالت :
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرجت قرعتها استصحبها، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ( نصيبي ) ؛ فخرجت معه بعد نزول آية الحجاب، فحملت في هودج فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة نزلنا منزلا ثم نودي بالرحيل، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوا على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفتي، فلم يستنكروا خفة الهودج وذهبوا بالبعير ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس فيها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي وظننت أنهم سيفقدونني ويعودون في طلبي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فلما رآني عرفني فاستيقظت باسترجاعه، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلتة فوطئ على يديها، فقمت إليها فركبتها وانطلق يقود بالراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا في حر الظهيرة، وافتقدني الناس حين نزلوا وماج القوم في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فخاضوا في حديثي فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل فيسلم، يقول :( كيف تيكم ) ؟ فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها بيوتا عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح ( هي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ) قبل بيتى حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت : تعس مسطح، فقلت : أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟ فقالت : أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فلما رجعت إلى منزلي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال :( كيف تيكم ) ؟ قلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قال :( نعم ). قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستثبت الخبر من قبلهما، فجئت أبوي، فقلت لأمي : أي أماه، ماذا يتحدث الناس به، فقالت : أي بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قلت : سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالت : نعم، قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدخل علي أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي : ما يبكيها ؟ قالت : لم تكن علمت ما قيل لها. فأكب يبكي، فبكى ساعة ثم قال : اسكتي يا بنية. فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلي المقبل لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى ظن أبواي أن البكاء سيفلق كبدي، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت : فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود، فقال : يا رسول الله، هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية ( يعني بريرة ) تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة فقال :( هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ) ؟ قالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت أمرا أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الدواجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي. فقال وهو على المنبر :( يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي ). فقام سعد بن معاذ الأنصاري – رضي الله عنه – فقال : أنا أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة – وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية – فقال : أي سعد بن معاذ، لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من أهلك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير – وهو ابن عم سعد بن معاذ – فقال لسعد بن عبادة : كذبت، لعمر الله لنقتله، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا في بيت أبوي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت على امرأة من الأنصار، فأذنت لها ؛ فجلست تبكي معي، قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلس، ثم قال : أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ). فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه دمعة، قلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال. قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله قد عرفت أن قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم حتى كدتم أن تصدقوا به، فإن قلت لكم إني بريئة – والله يعلم أني بريئة – لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ( يوسف : ١٨ ). ثم وليت فاضطجعت على فراشي وأنا – والله – أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرئني ببراءتي، ولكن – والله – ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا يبرئني الله بها، قالت : والله ما رام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسه ولا خرج من البيت حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال :( أبشري يا عائشة، إن الله قد برأك )، فقالت لي أمي : قومي إليه. فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ... عشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي ؛ قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة. – إلى قوله تعالى – غفور رحيم. فقال أبو بكر : إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال : لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري وما سمعت، فقالت : يا رسول الله، أحمى سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا.
قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك٧٦.
وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول : حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المبرأة من السماء.
تفسير القرآن الكريم
شحاته