بين يدي سورة النور
اسم السورة :
سورة النور مدنية، وآياتها ٦٤ آية، ونزلت بعد سورة الحشر، وسميت بهذا الاسم لكثرة ذكر النور فيها : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... ( النور : ٣٥ ).
نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء... ( النور : ٣٥ ).
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ... ( النور : ٤٠ ).
روح السورة :
هذه سورة الآداب والأخلاق والتربية الإسلامية الهادفة.
وقد ذكر النور في هذه السورة بلفظه، كما ذكر بمظاهره وآثاره في القلوب والأرواح، ممثلة هذه الآثار في بيان الفرائض والأحكام التي يقوم عليها بناء السورة، وهي أحكام وآداب نفسية، وعائلية وجماعية، تؤدي إلى طهارة الفرد وسلامة المجتمع.
والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية، التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود، وترق إلى درجة اللمسات الوجدانية الرقيقة التي تصل القلب بنور الله.
وتتداخل الآداب النفسية الفردية، وآداب البيت والأسرة، وآداب الجماعة والقيادة، بوصفها : نابعة كلها من معين واحد، هو العقيدة والاهتداء بنور الله.
تاريخ نزول السورة :
نزلت سورة النور في مرحلة متأخرة من حياة المسلمين في المدينة، بعد أن استقر الإيمان في القلوب، واستعدت نفوس المسلمين لتقبل أحكام هذه السورة.
وأحكام الحجاب في الإسلام، نزلت في سورتين فحسب من سور القرآن، هما : سورة الأحزاب، وسورة النور.
وقد اختلف العلماء في ترتيب نزولهما، كما اختلفوا في ترتيب حدوث غزوتين شهيرتين، ارتبطت كل غزوة منهما بإحدى السورتين.
فغزوة الأحزاب ارتبطت بسورة الأحزاب، وغزوة بني المصطلق ارتبطت بسورة النور، وفي إثر غزوة بني المصطلق تخلفت عائشة – رضي الله عنها – عن الجيش، وتكلم المنافقون بحديث الإفك، ونزلت ثلاث عشرة آية في سورة النور بشأن ذلك الموضوع.
الخلاف بين المؤرخين هو :
هل كانت غزة بني المصطلق في السنة الخامسة قبل غزوة الأحزاب، أم بعدها في السنة السادسة من الهجرة ؟.
فإن كانت غزوة الأحزاب قبل غزوة بني المصطلق، فمعناه أن أحكام الحجاب في الإسلام، كان بدؤها بالتعليمات التي وردت في سورة الأحزاب، وكمالها بالأحكام التي وردت في سورة النور. وأما إذا كانت غزوة بني المصطلق قبل غزوة الأحزاب، انعكس الترتيب في نزول أحكام الحجاب، وصار بدؤها بسورة النور، وكمالها بسورة الأحزاب.
يقول ابن سعد :
إن غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان من سنة خمس، ووقعت بعدها غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق، في ذي القعدة من السنة نفسها.
ويقول ابن إسحاق :
إن غزوة الأحزاب وقعت في شوال من سنة خمس، وغزوة بني المصطلق في شعبان من سنة ست.
وقد جزم ابن حزم وابن القيم وغيرهما من العلماء المحققين بصحة رواية ابن إسحاق، ورجحناها على رواية ابن سعد.
وتفيد روايات صحيح البخاري وغيره أن أحكام الحجاب كانت قد نزلت قبل قصة الإفك، أي : في سورة الأحزاب، ومما تفيده هذه الروايات كذلك، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد نزوج زينب بنت جحش – رضي الله عنها – قبل ذلك، في ذي القعدة من سنة خمس، وجاء ذكره في سورة الأحزاب، بل مما تفيده هذه الروايات كذلك أن حمنة أخت زينب بنت جحش، إنما شاركت في رمي عائشة لأنها ضرة أختها، والظاهر أنه لا بد من أن تمضي مدة من الزمن – ولو يسيرة – على صلة الضرارة بين امرأتين، حتى تنشأ في القلوب مثل هذه النزعات، فهذه الأمور كلها مما يؤكد رواية ابن إسحاق ويقويها، وتجعلنا نختار أن سورة النور نزلت بعد سورة الأحزاب بأشهر، في النصف الأخير من سنة ست للهجرة١.
قيام الدولة الإسلامية :
نزلت سورة النور في مرحلة قويت فيها سواعد المسلمين، وارتفعت راياتهم، وتأكدت أخوتهم، وترابطت صفوفهم، وأصبحوا يدا واحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا.
وكان عدد المسلمين قليلا لا يزيد عل عشر العرب كلها، وكان سلاحهم قليلا، ويتمتع أعدائهم بتفوق في المال والسلاح، والمكانة والتجارة.
وكان المسلمون يتميزون بسمو العقيدة، وطهارة القلب، ودقة النظام، واحترام تعاليم السماء، مما جعلهم ينتصرون على أعدائهم.
وإذا هزم المشركون والمنافقون في معركة السلاح والحرب، فإنهم قد ولجوا من باب آخر هو الدس والوقيعة والفتنة، فتحدث المنافقون عن السيدة عائشة واتهموها في طهارتها وعفتها، وكان قصدهم إحراج النبي، وإحداث الفتنة والبلبلة بين المسلمين، ولكن الله أنزل أحكامه العادلة في هذه السورة، لحفظ المجتمع وحفظ المسلمين، وإحكام بناء الدولة الإسلامية، والجماعة الإسلامية، وتربية الفرد والمجتمع، بما يحقق السمو النفسي والروحي، ويغلق منافذ الشر، ويقود الأمة إلى التماسك والتعاون على البر والتقوى، والبعد عن الإثم والعدوان.
من أحكام سورة الأحزاب :
تعتبر سورة الأحزاب مقدمة وممهدة لسورة النور، ولذلك سنذكر بعض ما اشتملت عليه سورة الأحزاب من أحكام تتصل بحماية المرأة وسد ذرائع الفتنة :
١. أمرت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يلزمن بيوتهن ولا يخرجن منها بغير حاجة، ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وإذا احتجن إلى الكلام مع غير المحارم من الرجال ؛ فلا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض.
٢. منع الرجال أن يدخلوا بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يؤذن لهم، وإذا أرادوا أن يسألوا أزواجه شيئا ؛ فليسألوهن من وراء حجاب.
٣. أقيم الفرق بين المحارم وغير المحارم من الرجال.
٤. قيل للمؤمنين إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهاتهم، وإن حرمتهن عليهم أبدية، فعلى المؤمنين جميعا أن يكونوا طاهري القلوب والنيات نحوهن.
٥. أمرت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبناته ونساء جميع المسلمين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والمراد : تغطية الوجه من فوق الرأس إذا خرجن من بيوتهن في حاجة.
من أحكام سورة النور :
١. اعتبار الزنا جريمة جنائية، وجعل حد الزاني مائة جلدة.
٢. نهي المؤمنين عن أن يرتبطوا بالفاسقين والفاسقات بصلة الزواج.
٣. جعل حد من يرمي المحصن أو المحصنة بالزنا، ثم لا يأتي عليه بأربعة شهداء ثمانين جلدة.
٤. جعل اللعان لمن يرمي زوجته بالزنا.
٥. تحريم ظن السوء بالآخرين، والتحريض على كبت الشائعة الباطلة والافتراءات الكاذبة.
٦. وجوب الاستئناس والاستئذان قبل دخول بيوت الآخرين.
٧. أمر الرجال بالغض من أبصارهم، وأمرت النساء بالغض من أبصارهن.
٨. أمرت النساء بأن يضربن بخمرهن على نحورهن وصدورهن ورءوسهن.
٩. أمرت النساء ألا يواجهن أحدا من غير المحارم وخدام البيت بزينتهن.
١٠. إذا خرجت النساء من بيوتهن لحاجة فليسترن زينتهن، بل لا يلبسن ما له صوت من حليهن.
١١. فيها حث الرجال والنساء على الزواج، وحث العبيد والإماء عليه، وتأكيد أن الرزق من عند الله، ليقبل الجميع على الزواج، وإشباع النفس من الطريق الشرعي السليم، وبقاء الرجال والنساء بدون نكاح مولد للفحشاء، وأقل ما يكون من هؤلاء الأفراد الذين لا أزواج لهم أنهم لا يتمالكون أنفسهم، من تحسس الأخبار الفاحشة والتلذذ بنقلها في المجتمع.
١٢. جعلت المكاتبة لتحرير العبيد والإماء، وأمر السادة بأن يجيبوهم إلى طلبهم إذا أرادوا منهم المكاتبة، وأمر عامة المسلمين بأن يساعدوا المكاتبين مساعدة مالية.
١٣. نهى عن إكراه الفتيات – وهن الإماء – على البغاء، ولما كانت مهنة البغاء في العرب مقصورة على الإماء ؛ فما كان هذا النهي عنها إلا سدا قانونيا للبغاء، وبيع الأعراض.
١٤. وجوب استئذان الخدم والأطفال دون البلوغ في ثلاثة أوقات : قبل صلاة الفجر، عند الظهيرة، بعد صلاة العشاء. فيجب أن يعود الإنسان أطفاله على هذه القاعدة، ويربيهم عليها، فإذا بلغ الأطفال سن البلوغ وجب أن يستأذنوا في جميع الأوقات.
١٥. سمح للعجائز اللاتي لا أرب لهن في الرجال، أن يتخففن من ثيابهن، وأن يخلعن الخمر عن رءوسهن ووجوههن.
١٦. جعل من حق الأقرباء الأدنين، والأصدقاء الذين لا كلفة بينهم، أن يأكل بعضهم من بيت بعض من دون إذنه، وبهذا طوى ما بين أفراد المجتمع من التباعد والتحاسد، وأزيلت الوحشة ليحل محلها الحب والإخلاص.
١٧. أماطت السورة اللثام عن علامات المؤمنين والمنافقين، واتجهت بكل قوتها إلى تربية المسلمين وتنظيم حياتهم، وتهذيب سلوكهم، وغرس مفاهيم الإيمان في قلوبهم، وسد الطريق أمام فتن المنافقين وألاعيبهم.
١٨. سلكت السورة سبيل الحكمة في تشريع الأحكام، وخلت من المرارة التي قد تنشأ في الأذهان والقلوب، عند رد الحملات الشنيعة، واتسمت بالرزانة والتدبير المعتدل، في معالجة أقسى الظروف المثيرة للعواطف، إنها تشريع الحكيم العليم، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو يشاهد أحوال الناس ومعاملاتهم دقيقها وجليلها من مقام رفيع، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. ( المائدة : ٥٠ ).
فقرات السورة :
يجري سياق سورة النور في خمس فقرات :
الفقرة الأولى :
وفيها بيان حد الزنا، وحد القذف، وأحكام اللعان، ثم حديث الإفك وقصته، وتستغرق هذه الفقرة من أول السورة إلى الآية ٢٦.
الفقرة الثانية :
وفيها وسائل الوقاية من الجريمة، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية، وفيها آداب البيوت، والاستئذان على أهلها، والأمر بغض البصر، والنهي عن إبداء الزينة لغير المحارم، والحض على إنكاح الأيامى، والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من ٢٧- ٣٤.
الفقرة الثالثة :
اشتملت على مجموعة من الآداب النفسية والقلبية، فتحدثت عن تعمير بيوت الله، وتسبيح الخلائق لله، وإزجاء السحاب، وتقليب الليل والنهار، وخلق كل دابة من ماء، ثم اختلاف أشكالها ووظائفها وأنواعها وأجناسها مما هو معروف في صفحة الكون للبصائر والأبصار، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من ٣٥ – ٤٦.
الفقرة الرابعة :
تتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الطاعة والتحاكم، وتصور أدب المؤمنين الخالص وطاعتهم لله والرسول، وتعدهم على هذا بالاستخلاف في الأرض، والتمكين في الدين، والنصر على الكافرين، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من ٤٧ – ٥٧.
الفقرة الخامسة :
تستأنف هذه الفقرة الحديث عن آداب الاستئذان والضيافة، في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء، وتتحدث عن آداب الجماعة المسلمة كلها، كأسرة واحدة مع رئيسها ومربيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتتم السورة بإعلان ملكية الله في السماوات والأرض، وعلمه بواقع الناس، وما تنطوي عليه حناياهم، ورجعتهم إليه، وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم، وهو بكل شيء عليم، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من ٥٨ – ٦٤.
وبصفة عامة فهي، سورة النور، نور يضيء القلب بتقوى الله، ونور يرشد الفرد والمجتمع إلى أسباب العفة والتصون، فهي سياج للفرد والمجتمع من الانحلال والتردي في الخطيئة، وفيها أح
١٢ - لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ.
لولا : كلمة بمعنى هلا، تفيد الحث على فعل ما بعدها.
مبين : ظاهر مكشوف.
هلا إذ سمعتم هذا الكلام، ظننتم خيرا بأفراد ملتكم ومجتمعكم.
ثم إن عائشة لها منزلتها، فهي زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابنة أبي بكر، وهي أم المؤمنين وحرمتها عليهم كحرمة أمهاتهم.
والشخص الذي رميت به صحابي جليل مجاهد عفيف، حيث أقسم بالله أنه ما كشف عن كنف أنثى قط، أي في حرام.
فكان أولى بالمسلمين إذ سمعوا هذه الشائعة ألا يصدقوها، ولكنهم ظنوا أسوأ ما يكون الظن بأنفسهم، وبأخلاق مجتمعهم، وكانت طبيعة الإيمان تقتضي أن ينفر المسلم من سماع هذا الإثم، وأن يعلن رفضه بدون تردد، وأن يقول : هذا كذب ظاهر ملفق، وفرية صريحة، وبهتان عظيم، لا أساس له من الحقيقة والواقع.
قال الزمخشري :
فإن قلت : هلا قيل :( لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا ) ؟ ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة ؟ وعن الضمير إلى الظاهر ؟ قلت : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ ( اّلإيمان ) دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها، قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن، إذ سمع مقالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن الحسن، لا على الشك، وأن يقول بملء فيه – بناء على ظنه بالمؤمن الخير - : هذا إفك مبين، هكذا باللفظ المصرح ببراءة ساحته، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بأخوات !. انتهى.
وينبغي أن يكون الأساس للروابط الاجتماعية في المجتمع الإسلامي ظن الناس فيما بينهم خيرا، فالأصل هو أن الإنسان برئ إلى أن تثبت إدانته.
تفسير القرآن الكريم
شحاته