و الله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن على كل شيء قدير [ النور : ٤٥ ].
الإيضاح :
( ٤ ) هذا هو رابع الأدلة على التوحيد، فقد استدل بأحوال السماء والأرض، وبالآثار العلوية، وهنا استدل بأحوال الحيوان فقال :
والله خلق كل دابة من ماء أي والله خلق كل حيوان يدب على الأرض من ماء هو جزء مادته.
وخص الماء بالذكر من بين ما يتركب منه من المراد، لظهور احتياج الحيوان إليه، ولا سيما بعد كمال تركيبه، ولا متزاج الأجزاء الترابية به.
ثم فصل أقسام الحيوان مما يدب على وجه الأرض فقال :
فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات والسمك و غيرهما من الزواحف، وسمى حركتها مشيا مع كونها تزحف زحفا، إشارة إلى كمال القدرة، وأنها مع عدم وجود آلة المشي كأنها تمشي.
ومنهم من يمشي على رجلين كالإنسان والطير.
ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام والوحوش.
ولم يذكر سبحانه ما يمشي على أكثر من ذلك كالعناكب وغيرها من الحشرات ؛ لدخوله في قوله :
يخلق الله ما يشاء مما ذكر ومما لم يذكر، مع الاختلاف في الصور والأعضاء، والحركات والطبائع، والقوى والأفاعيل.
إن الله على كل شيء قدير أي إن الله على إحداث ذلك وخلقه وخلق ما يشاء من الأشياء لذو قدرة فلا يتعذر عليه شيء أراده.
وعلى الجملة فاختلاف هذه الحيوانات في الأعضاء والقوى، مقادير الأبدان والأعمال والأخلاق لا بد أن يكون بتدبير مدبر حكيم، مطلع على أحوالهم و أسرار خلقها، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، تعالى الله عما يقول الجاحدون علوا كبيرا.
تفسير المراغي
المراغي