ثم يقول الحق سبحانه :
والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير٤٥ :
الدابة : كل ما يدب على الأرض، سواء أكان إنسانا أو أنعاما أو وحشا، فكل ما له دبيب على الأرض خلقه الله من ماء حتى النملة لها على الأرض دبيب.
وكل شيء يضخم قابل لأن يصغر، وقد يضخم تضخيما لدرجة أنك لا تستطيع أن تدرك كنهه، وقد يصغر تصغيرا حتى لا تكاد تراه، وتحتاج في رؤيته إلى مكبر، ومن عجائب الخلق أن النملة أو الناموسة فيها كل أجهزة الحياة ومقوماتها، وفيها حياة كحياة الفيل الضخم، ومن عظمة الخالق سبحانه أن يخلق الشيء الضخم الذي يفوق الإدراك لضخامتها، ويخلق الشيء الضئيل الذي يفوق الإدراك لضآلته.
ألا ترى أن ساعة ( بج بن ) أخذت شهرتها لضخامة حجمها، ثم جاء بعد ذلك من صنع الساعة في حجم فص الخاتم. وفيها نفس الآلات التي في ساعة ( بج بن )، كذلك خلق الله من الماء الفيل الضخم، وخلق الناموسة التي تؤرق الفيل رغم صغرها... سبحان الخالق.
ولما كان الماء هو الأصل في خلقة كل شيء حي وجدنا العلماء يقتلون حتى الميكروب الصغير الدقيق بأن يحجبوا عنه المائية فيموت، ومن ذلك مداواة الجروح بالعسل ؛ لأنه يمتص المائية أو يحجبها، فلا يجد الميكروب وسطا مائيا يعيش فيه.
وهذه الخلقة ليست على شكل واحد ولا وتيرة واحدة في قوالب ثابتة، إنما هي ألوان وأشكال فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع... ٤٥ ( النور ).
والمشي : هو انتقال الموصوف بالمشي من حيز مكاني إلى حيز مكاني آخر، والناس تفهم أن المشي ما كان بالقدمين، لكن يوضح لنا سبحانه أن المشي أنواع : فمن الدواب من يمشي على بطنه. ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع١.
وربنا- سبحانه وتعالى – بسط لنا هذه المسألة بسطا يتناسب وإعجاز القرآن وإيجازه، فلم يذكر مثلا أن من الدواب من له أربع وأربعون مثلا، وفي تنوع طرق المشي في الدواب عجائب تدلنا على قدرته تعالى وبديع خلقه.
لذلك قال بعدها : يخلق الله ما يشاء... ٤٥ ( النور ) لأن الآية لم تستقص كل ألوان المشي، إنما تعطينا نماذج، وتحت يخلق الله ما يشاء.... ٤٥ ( النور ) : تندرج مثلا( أم أربعة وأربعين ) وغيرها من الدواب، والآية دليل على طلاقة قدرته سبحانه.
وكما سخر الإنسان لخدمة الإنسان، كذلك سخر الحيوان لخدمة الحيوان ليوفر له مقومات حياته، ألا ترى الطير يقتات على فضلات الطعام بين أسنان التمساح مثلا فينظفها له، إذن : فما في فم التمساح من الخمائر والبكتيريا هي مخزن قوت لهذه الطيور، ويحدث بينهما توافق وانسجام وتعاون، حتى إن الطير إن رأى الصياد الذي يريد أن يصطاد التمساح فإنها تحدث صوتا لتبنه التمساح حتى ينجو.
ومن المشي أيضا السعي بين الناس بالنميمة، كما قال تعالى : هماز٢ مشاءبنميم١١ ( القلم ).
٢ الهماز: صيغة مبالغة. والهمزة: كثير الهمز واللمز والغمز واغتياب الناس وعيبهم. وقيل "الهمز" في القفا والسر، و"المز "عيب في الوجه في العلانية.(القاموس القويم ٢/٣٠٧).
تفسير الشعراوي
الشعراوي