لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا أي فيقال لهم هذه المقالة، والقائل لهم هم الملائكة : أي اتركوا دعاء ثبور واحد، فإن ما أنتم فيه من الهلاك أكبر من ذلك وأعظم، كذا قال الزجاج وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً والثبور مصدر يقع على القليل والكثير، فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً، فالكثرة ها هنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب كثرته في نفسه، فإنه شيء واحد، والمعنى : لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحداً، وادعوه أدعية كثيرة، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشدّ من ذلك لطول مدّته، وعدم تناهيه، وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول، وقيل إن المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً بل هو ثبور كثير، لأن العذاب أنواع، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم، الدلالة على خلود عذابهم، وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه.
وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض، ومفاتيحها ما لم يعط نبيّ قبلك، ولا نعطها أحداً بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال :«اجمعوها لي في الآخرة»، فأنزل الله سبحانه : تَبَارَكَ الذي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً . وأخرج نحوه عنه ابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :«من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً»، قيل يا رسول الله : وهل لها من عينين ؟ قال :«نعم، أما سمعتم الله يقول إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ». وأخرج آدم بن أبي إياس في تفسيره عن ابن عباس في قوله : إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ قال : من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشدّ بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل برّ وفاجر سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً تزفر زفرة لا تبقي قطرة من دمع إلاّ بدت، ثم تزفر الثانية، فتقطع القلوب من أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله : وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ قال :«والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط» وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً قال : ويلاً لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا يقول : لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في البعث. قال السيوطي بسندٍ صحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن أوّل من يكسي حلته من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون : يا ثبورهم حتى يقف على الناس فيقول يا ثبوراه، ويقولون : يا ثبورهم، فيقال لهم : لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً » وإسناد أحمد هكذا : حدّثنا عفان عن حميد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره. وفي عليّ بن زيد بن جدعان مقال معروف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس : كَانَ على رَبّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً يقول : سلوا الذي وعدتكم تنجزوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني