و اذكر أيضاً يوم يَعَضُّ الظالمُ على يديه ؛ ندماً وتحسراً، فعض اليد والأنامل : كناية عن شدة الغيظ والحسرة ؛ لأنها من روادفها، فتذكر المرادفة ويراد بها المردوف، فيرتفع الكلام بذلك في طبقة الفصاحة، ويجد السامع في نفسه من الروعة ما لا يجده عند اللفظ المكنى عنه.
والمراد بالظالم : إما عُقبةَ بْن أَبِي مُعيط، وكان خليلاً لأُبَيّ بن خلف وكان عقبة يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم من سفر وصنع طعاماً، فدعا إليه أشرف قومه، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قُرِّب الطعام، قال النبي صلى لله عليه وسلم :" ما أنا بآكل من طعام، حتى تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ". فقال عقُبة : أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فأكل النبي صلى الله عليه وسلم طَعَامه، وكان أُبي بن خلف غائباً فلما أُخبر، قال له : صَبأتَ يا عُقبة ؟ فقال : لاَ، والله ما صبأتُ، ولكن دخل عليّ رجل فأَبَى أن يأكُلَ من طَعَامِي إلا أن أشهد له، فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يخرج من بيتي ولم يطعم، فَشَهِدْتُ لَهُ، فطعم، فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً، حتى تأتيه فَتبْزُق في وَجْهِهِ، وتَطَأَ عُنقه، فَوَجَدَهُ صلى الله عليه وسلم سَاجِداً، فَفعَل ذَلِكَ، وأخذ رَحِم دابته فألقاها بين كتفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا ألْقَاكَ خَارجاً من مَكَّةَ إلا عَلَوْتُ رأسَكَ بالسيفِ ". فقُتِلَ عُقبةُ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ صبراً. وأما أُبيُّ فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده، يوم أُحُد، في المبارزة، طعنه في عنقه، فمات بمكة.
وعن الضحاك : لما بَصَقَ عقبة - بأمر أبي - في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، رجع بُصَاقُهُ في وجهه، وشوى وجهه وشفتيه، حتى أثر في وجهه وأحرق خديه، فلم يزل في وجهه حتى قتل، وقتله علي ببدر بأمره صلى الله عليه وسلم بقتله. ه. وقال الشعبي : كان عُقْبَةُ بن أبي معيط خليلاً لأُبَي بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أُبيّ : وجهي من وجهك حرام، أنْ تابعت محمداً، فارتدَّ ؛ لرضا صاحبه، فنزلت الآية. ه.
وإمَّا جنس الظالم، ويدخل عقبة فيه دخولاً أولياً.
يقول يا ليتني ، الياء لمجرد التنبيه، من غير تعيين المنبّه، أو : المنبه محذوف، أي : يا هؤلاء ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم سبيلاً أي : طريقاً مُنجياً من هذه الورطات، وهي طريق الإسلام، ولم أكن ضالاً، أو : طريقاً إلى الجنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في الآية تحريض على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وشد اليد على التمسك بسنته، والاهتداء بهديه، واتباع ما جاء به، قبل أن تقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. وفيها أيضاً : الترغيب في صحبة الأبرار، والترهيب من صحبة الفجار، وأنشد بعض الحكماء :| تَجَنَّبْ قَرِينَ السوء وَاصْرمْ حِبَالَهُ | فَإِن لَّمْ تَجِدْ عَنْهُ مَحيصاً فَدَارِهِ |
| وَأَحْبِبْ حَبِيبَ الصِّدْقِ وَاْحذَرْ مِرَاءَهُ | تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لمْ تُمارهِ |
| وَفِي الشَّيْبِ مَا يَنهى الحَلِيمَ عَن الصِّبَا | إِذا اشْتَعَلَتْ نِيَرانُه فِي عَذَارِهِ |
وقال آخر :| اصْحَبْ خِيَارَ الناسِ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ | خَيْرُ الصَّحَابَةِ مَنْ يَكُونُ عَفِيفا |
| وَالنَّاسُ دَرَاهِمٍ مَيَّزْتُها | فَوَجَدْتُ فيهَا فِضَّةً وُزُيُوفا |
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم قال :" مثل الجليس الصَّالح مَثَلُ العَطَّارِ، إنْ لَمْ يُحْذِكَ مِنْ عِطْره يَعْلق بك مِنْ رِيحِه. ومَثَل الجَلِيس السُّوء مَثَلُ الكِيِر، إن لم يَحْرِق ثِيابَكَ يَعْلق بك مِن رِيحِه ". وقال في الحِكَم :" لا تصحب من لا يُنْهِضُكَ حاله، ولا يَدُلُّكَ على الله مَقَالُهُ ". فإنهاض الحال هو ذكر الله عند رؤيته، والانحياش إليه بالقلب عند صحبته. ودلالة المقال على الله هو زجه في الحضرة بلا تعب، بأن يرفع بينه وبين ربه الحُجُبَ، ويقول له : ها أنت وربك. وهذه حال الصوفية العارفين بالله، وقد وصفهم بعض العلماء، فقال : الصوفي من لا يعرف في الدارين أحداً غير الله، ولا يشهد مع الله سوى الله، قد سخر له كل شيء، ولم يُسخر هو لشيء، يسلط على كل شيء، ولم يسلط عليه شيء، يأخذ النصيب من كل شيء، ولم يأخذ النصيب منه شيء، يصفو به كدر كُلِّ شيء، ولا يكدر صَفْوَه شيء، قد أشغله واحد على كل شيء، وكفاه واحد من كل شيء. هـ.
قال في التنبيه : وبصحبة أمثال هؤلاء يحصل للمريد من المزيد ما لا يحصل له بغيرها ؛ من فنون المجاهدات وأنواع المكابدات، حتى يبلغ بذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل، ولا يحيط به عالم ناقل. هـ. وفي شأنهم أيضاً قال صاحب العينية رضي الله عنه :| فَشَمِّرْ وَلُذْ بالأوْلياءِ ؛ فإِنهُمْ | لهُمْ مِنْ كِتَابِ الحَقِّ تِلْكَ الوَقَائِعُ |
| هُمُ الذُّخْرُ لِلْمَلهُوفِ، والكَنْزُ للرَّجَا، | وَمِنهُمْ يَنَالُ الصَّبُّ ما هُوَ طَامِعُ |
| بِهِم يَهْتَدِي لِلْعَينْ مَنْ ضَلَّ فِي الْعَمَى | بِهمْ يُجْذَبُ العُشَّاقُ، والرَّبْعُ شَاسِعُ |
| هُمُ القَصْدُ، والمطْلُوبُ، والسُؤْلُ، والمُنَى | واسْمُهُمُ للصَّبِّ، فِي الحُبِّ شَافِعُ |
| هُمُ النَّاسُ، فَالْزَمْ إِنْ عَرَفْتَ جَنابَهُمْ | فَفيهمْ لِضُرِّ العَالَمِينَ مَنَافِعُ |
وقال الجنيد رضي الله عنه : إذا أراد الله بالمريد خيراً ألقاه إلى الصوفية، ومنعه صحبة القراء. وقال سهل رضي الله عنه : احذر صحبة ثلاثة من أصناف الناس : الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين. هـ. وقال حمدون القصار رضي الله عنه :( اصحب الصوفية ؛ فإن للقبح عندهم وجوهاً من المعاذير، وليس للحُسْنِ عندهم كبير موقع يعظمونك به ) ؛ إشارة إلى أن العجب بالعمل منفي في صحبتهم. وقال سيدنا علي رضي الله عنه : شر الأصدقاء : من أحوجك إلى المداراة، وألجأك إلى الاعتذار. وقال أيضاً : شر الأصدقاء من تُكُلِّف له. هـ. وليوسف بن الحسين الداراني رضي الله عنه :| أُحِبُّ مِنَ الإِخْوَانِ كلَّ مُواتي | فِيًّا غَضِيض الطَّرف عَن عَثراتِي |
| يوافقني في كل أمر أحبه | ويحفظُني حَياً وبَعد مماتي |
| فمن لِي بهذا، ليتني قد وَجَدْتُه | فَقَاسَمْتُهُ مَالِي مِنَ الْحَسَنَاتِ |
والحاصل من هذا ؛ أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب، دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم ؛ لأنهم خُصوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص، لم يساهمهم فيها أحد سواهم. وسريان ذلك من الصاحب إلى المصحوب هو غاية الأمل والمطلوب، فقد قيل : مَنْ تَحَقَّقَ بِحَالَةٍ لَمْ يَخْلُ حَاضِرُوهُ مِنْهَا. انتهى من التنبيه. وبالله التوفيق.