ندامة الظالم على تركه السبيل القويم، وصحبته للمضلين.
" ويوم يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا.
يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا ".
وجه الارتباط :
لما سأل المشركون أن يروا الملائكة : أخبروا بأنهم سيرونهم في يوم يكون شره عليهم عظيما.
وذكر في الآيات السابقة ما يكون في ذلك اليوم من حبوط أعمالهم، وتشقق السماء بالغمام، وتنزل الملائكة وغير ذلك.
وذكر في هذه الآية ما يكون في ذلك اليوم من ندم الظالم وسوء حاله.
المفردات :
( الظلم ) : وضع الشيء في غير موضعه، كوضع الكفر موضع الإيمان، ووضع المعصية موضع الطاعة. وحق الله تعالى أن يؤمن به، ويوحد، ويطاع. فمن كفر أو أشرك به، أو عصاه فقد ظلم، وهو هنا الكافر والمشرك، لأنه الذي لم يتخذ مع الرسول سبيلا.
( الويلة ) : الهلكة كالويل بمعنى الهلاك. ( فلان ) : يكنى به عن الأعلام كما يكنى بالهن عن الأجناس.
( الخليل ) : فعيل بمعنى فاعل وهو ما تخللت مودته القلب، وامتزجت بالنفس، فكانت له مكانة منهما، وسلطان عليهما. هذا في جانب الخلق.
وأما في جانب الله تعالى فبالمعنى الذي يليق بقدسه وتنزيهه، فإبراهيم – عليه السلام – خليل الرحمن بما له عنده تعالى من عظيم المنزلة، ورفعة الشأن، وقبول الدعوة، وما له عليه من جزيل الإنعام.
( الإضلال ) : الصد والصرف عن طريق الحق والنجاة.
( الذكر ) : القرآن العظيم، وفسر بالشهادتين، وبالإسلام : والقرآن فيه ذلك كله، وهو الذي سيأتي على الأثر، وذكر هجرهم له، ولذلك اخترناه في معنى الذكر هنا.
( الشيطان ) : الخبيث الشرير الذي استولى عليه، وتمكن منه خلق الإفساد والإضرار من الجن والإنس. ( الخذول ) : الكثير الخذل١، أي التسليم والترك لمن نزل به البلاء في وقت الحاجة إلى إنقاذه.
التراكيب :
شأن من وقع في غيظ وحسرة وندامة أن يعض يديه، ويأكل بنانه كأنه لما لم يجد شيئا يطفيء فيه غيظه، رجع عل نفسه بذلك، فعض اليد لازم لحالة الحسرة والغيظ والندامة، فلذا يكنى به عنها من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم٢. وذلك لا يمنع من وجود العض منه حقيقة، بل وقوع ذلك هو الشأن الغالب.
وجملة ( يقول يا ليتني ) حالية فهو يعض حالة كونه قائلا : يا ليتني، فبينت هذه الجملة ما يقول. كما بينت التي قبلها ما يعمل، فصورتاه في حاله الشنيع الفظيع.
ويوم، منصوب بأذكر٣ أو معطوف على يوم يرون الملائكة، كما عطف عليه، ويوم تشقق السماء.
ويوم يرون منصوب بأذكر، أو بيمنعون البشرى كما يدل عليه " لا بشرى يومئذ للمجرمين ".
والتنكير في قوله ( سبيلا ) للإفراد : أي سبيلا واحدا لا تعدد فيه بخلاف ما كان عليه الظالم من سبل أهوائه المتعددة المتشبعة.
والألف في يا ويلتا، منقلبة عن ياء المتكلم، والأصل يا ويلتي، نادى ويلته أي هلكته لتحضر في ذلك الوقت ؛ لأنه وقتها. وليس نداؤها رغبة في حضورها، فالهلاك لا يرغب فيه، و إنما نادى الهلاك ليحضر لما حصل له من اليأس والقنوط من أسباب النجاة، فلم يبق له إلا الهلاك : كما يقول العليل للطبيب وقد يأس من معالجة جرح بيده مثلا : اقطع، فهذا وقت القطع.
وهكذا يخرج كل نداء في حالة شدة لما لا يخلص منها، و إنما يزيد في اشتدادها كما ينادي الشقي :( يا شقوتاه ). والمفتضح ( يا فضيحتاه ).
والمصاب ( يا مصيبتاه ).
وكنى ( بفلان ) لأن لكل ظالم خليلا له اسمه الخاص فلا يمكن التصريح بأسماء الجميع، فما بقي إلا الكناية عنها بفلان.
وجملة ( لقد أضلني ) بيان لسبب تثمينه السابق.
و أل في الشيطان والإنسان للجنس ؛ فيدخل في جنس الشيطان خليل الظالم الذي صده عن الذكر، وقرين خليله من الجن الذي سول له ذلك وأعانه، وقرينه هو الذي زينه له ودعاه إليه.
والجملة من كلام الظالم لإعلان خيبته، وإظهار ألمه منها، لما وجد نفسه وحده مخذولا ممن أضله وأغواه.
المعنى :
ويوم يعض الظالم لنفسه بالكفر لربه، أو الشرك على يديه ندما وحسرة على تفريطه، وعدم اتباعه لسبيل الحق مع الرسول الذي أرسل إليه، وعلى توريطه لنفسه بصحبته لخليله وطاعته له، حتى صرفه عن الإيمان بالقرآن، بعدما جاءه وسمعه وتمكن من الإيمان به، فأغواه ذلك الخليل وقرينه، وقرينه هو حتى أردوه. ثم خذلوه في ذلك اليوم العظيم في وقت الحسرة والندامة، لم يجد منهم نصرا ولا معونة، كما هو شأن الشياطين في خذلان من يغووه ويردوه.
إلحاق واعتبار :
كما علينا أن نتبع سبيل الرسول –عليه وآله الصلاة والسلام – التي جاء بها من عند الله تعالى، وهي الإسلام، كذلك علينا أن نتبع سبيله في القيام بشرائع الإسلام علما وعملا : في أبواب العبادات وأحكام المعاملات. وفي تطبيق أصول الإسلام وفروعه على الحياة العامة والخاصة. وهذه هي سنته التي كان عليها، وكان عليها أصحابه، وأهل القرن الثاني من التابعين، وأهل القرن الثالث من أتباع التابعين : تلك القرون المشهود لها بالخيرية على غيرها بلسان المعصوم٤.
وكما أن من عدل عن الإسلام ولم يسلك سبيله وقع في ضلال الكفر، كذلك من عدل عن السنة ولم يسلك سبيلها وقع في ضلال الابتداع.
وكما أن من لم يتخذ مع الرسول سبيل الإسلام يندم أشد الندم ويتحسر أعظم الحسرة على ما كان من تفريطه.
كذلك من لم يتخذ مع الرسول سبيل السنة إذ كل منهما قد ظلم نفسه، وفرط في سبيل نجاته.
عموم الآية :
فالآية وإن كانت في الكافر والمشرك، فهي تتناول بطريق الاعتبار أهل الأهواء والبدع، وبهذا كانت الآية متناولة بوعظها وترهيبها جميع الخلق ممن لم يدخل في الإسلام، أو دخل فيه ولم يلتزم سنة نبيه– صلى الله عليه وآله وسلم.
تحذير :
عين الرضا :
عندما تتخلل محبة شخص من الناس قلبك، وتمتزج بروحك ويستولي بسلطان مودته عليك.. تصير أقواله وأفعاله كلها عندك مرضية، و عيوبه ونقائصه عنك محجوبة، فتمسي طوع بنانه، ورهن إشارته، يوجهك حيث شاء و يصرفك عما أراد. وهذه حالة من أخطر الأحوال عليك، لأنك فيها قد سلبت تمييزك، وخسرت إرادتك، وصرت آلة في يد غيرك ؛ فقد ترى الخير وتدعى إليه فيصرفك عنه، و قد ترى الشر وتحذر منه فيوقعك فيه.
وهب هذا الخليل كان مخلصا لك، وحريصا عليك، فإنه غير معصوم من الخطإ والضلال. أما إذا كان شريرا مفسدا فهنالك الهلاك المحقق، والوبال الشديد.
وقد ذكر لنا الله تعالى في هذه الآية ما كان من سوء مثال الظالم بسبب انقياده لخليله، واتباعه له من غير روية وصدق تمييز.
يحذرنا من سلطان الخلة الذي يهمل معه شأن الإرادة والتمييز، ويعلمنا أن علينا أن نحافظ على إرادتنا وتمييزنا، ونظرنا لأنفسنا مع الصديق والعدو، ومع الخليل وغير الخليل، بل نحافظ عليها مع الخليل أكثر، لأنه مظنة الخوف بما له من المكانة في القلب والسلطان على النفس.
إرشاد :
لما كان خليل المرء بهذه المنزلة فعليك أن تختار من تخال٥، فلا تخال إلا من حسنت سريرته، واستقامت سيرته، وغلب الصواب على أقواله وأعماله، ليكون دليلك إلى الخير، وسائقك إليه، مع محافظتك على إرادتك وتمييزك٦ معه على كل حال.
علامة :
ميزان الخليل :
إذا أردت أن تعرف شر خلانك، و أحقهم بهجرك له. وابتعادك عنه :
فانظر فيما يرغبك هو فيه، وما يرغبك عنه. فإذا وجدته يرغبك عن٧القرآن، وعما جاء به القرآن فإياك وإياه، فتلك أصدق علامة على خبثه وسوء عاقبة قربه، فابتعد عنه في الدنيا، قبل أن تعض يديك على صحبتك له في الأخرى. وإذا وجدته يرغبك٨ في القرآن وما جاء به القرآن، فدلك الخليل الزكي الصادق، فاستمسك به، وحافظ عليه.
و إنّ خلة أسست على الرجوع إلى القرآن، والتحاب على القرآن، والتناصح بالقرآن لخلةٌ نافعة دنيا وأخرى، لأنها أسست على أساس التقوى.
وقد قال الله تعالى :" الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " ٩.
٢ اللازم عض اليد، الملزوم الحسرة والندامة..
٣ أي مقدرة.
٤ لقوله صلى الله عليه وسلم :" خير القرون قرني ".
٥ والشاعر يقول : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه. ويقول لبيد: ما عاتب الحر الكريم كأصله والمرء يصلحه الجليس الصالح..
٦ و هكذا يكون المؤمن كالحصاة التي لا تذوب ولا تلين..
٧ أي يصرفك عنه..
٨ أي يحببك و يدعوك إليه..
٩ سورة الزخرف الآية ٦٧..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي