ثم يقول الحق سبحانه :
ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا٢٧ :
هذه عدة أيام ذكرتها هذه الآيات : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين... ٢٢ ( الفرقان )، يوم يعض الظالم على يديه... ٢٧ ( الفرقان ) : فيوم القيامة جامع لهذا كله.
وقلنا : إن الظالم : الذي يأخذ حق غيره، تبارك وتعالى- يوضح هذا الظلم بقوله تعالى : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون٥٧ ( البقرة ).
لأنهم لا يقدرون على ظلم الله تعالى، ولا على ظلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمة الله ورسوله هي العليا، وسينتصر دين الله في نهاية المطاف. ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم، فنعم الإله إله يفعل هذا من عصاه.
والكافر حتى في مظهرية ظلمه للغير يظلم نفسه ؛ لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم. إذن : لو حقق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه.
وحين يرى الظالم عاقبة ظلمه، ويعاين جزاء فعله يعض على يديه ندما وحسرة. والعض : انطباق الفكين الأعلى والأسفل على شيء، وللعض مراحل تتناسب مع المفزع الذي يلجأ الإنسان له، وفي موضع آخر يقول سبحانه : وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ.... ١١٩ ( آل عمران ).
والأنامل : أطراف الأصابع وعضها من الغيظ عادة معروفة حينما يتعرض الإنسان لموقف يصعب عليه التصرف فيه فيعض على أنامله عضا يناسب الموقف والحدث، فإن كان الحدث أعظم ناسبه أن يعض يده على مجرد أصابعه، فإن عظم عض على يديه معا كما يحدث لهم في الآية التي معنا : ويوم يعض الظالم على يديه..... ٢٧ ( الفرقان ) : لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود، والخطأ الذي لا يمكن تداركه ؛ لذلك يعذب نفسه قبل أن يأتيه العذاب.
فيعض على يديه معا، فكأن الأمر المفزع الذي يعاينه بلغ الغاية ؛ لذلك عض على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض، وهو العاض والمعضوض، ولا يعذب نفسه بهذه الطريقة إلا من يئس من النجاة.
ثم يبين علة ذلك : يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا٢٧ ( الفرقان ) : وإن كانت هذه الآية قد نزلت في حدث مخصوص وفي شخص بعينه، فإنها تعم كل من فعل هذا، فالعبرة- كما يقولون – بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا جزاء كل ظالم حاد عن الجادة.
وهذه الآية نزلت في حدث خاص باثنين١ : عقبة بن أبي معيط، وكان رجلا كريما يطعم الطعام، وقد دعا مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه، لكن رسول الله اعتذر له وقال : لا أستطيع أن أحضر طعامك إلا أن تشهد أن : لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فلما شهد الرجل الشهادتين زاره رسول الله وأكل من طعامه، فأغضب ذلك أمية ابن خلف صاحب عقبة فقال له : لقد صبوت يا عقبة، فقال عقبة : والله ما قلت ذلك إلا لأنني أحببت أن يأكل محمد عندي كما يأكل الناس، فقال أمية : فلا يبرئك مني إلا أن تذهب إلى محمد في دار الندوة فتطأ عنقه وتبصق.... إلخ، وفعل عقبة ما أشار عليه به صاحبه٢ فنزلت الآية : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ٢٧ ( الفرقان ) : والمراد بالسبيل قوله : لا إله إلا الله محمد رسول الله.
٢ قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فتشعب شعبتين، فأحرق خديه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت. نقله الواحدي في أسباب النزول (ص١٩٢)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي