المعنى الجملي :
بعد أن بين سبحانه في سابق الآيات أن المشركين طلبوا إنزال الملائكة أردف هذا ببيان أنهم ينزلون حين ينتهي هذا العالم الدنيوي، ويختل نظام الأفلاك، والأرض والسماوات، ويحشر الناس من قبورهم للعرض والحساب، فيعض الكافر على يديه نادما على ما فات، ويتمنى أن لو كان قد أطاع الرسول فيما أمر ونهى ولم يكن قد أطاع شياطين الإنس والجن الذين أضلوه السبيل وخذلوه عن الوصول إلى محجة الصواب.
الإيضاح : يا ويلتاي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا أي يا هلكتي احضري فهذا أوانك، ليتني لم أتخذ فلانا الذي أضلني وصرفني عن طريق الهدى خليلا وصديقا.
ومن الأخلاء الشياطين، ولا فارق بين شياطين الإنس وشياطين الجن، ومن هؤلاء أبيّ بن خلف، فقد روي أن عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، وكان أبيّ صديقه فعاتبه، وقال له : صبأت فقال : لا والله ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له فقال : لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فأسر يوم بدر فأمر عليا فقتله، وقتل أبي بن خلف بيده الشريفة يوم أحد، طعنه بحربة فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه فجعل يخور كما يخور الثور، فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور، فما لبث إلا يوما أو نحوه حتى ذهب إلى النار " فأنزل الله الآية.
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالّ " أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقيّ " وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :" مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة ". ثم بين علة هذا التمني بقوله : لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني أي لقد أضلني عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من ربي.
تفسير المراغي
المراغي