ياويلتي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً دعاء على نفسه بالويل والثبور على مخاللة الكافر الذي أضله في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. قال النيسابوري : زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلاّ حكاية، لا يقال جاءني فلان. ولكن يقال : قال زيد جاءني فلان، لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله. وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم. وقيل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور. وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير العقلاء، وفل يختص بالنداء إلاّ في ضرورة كقول الشاعر :
* في لجة أمسك فلاناً عن فل *
وقوله :
* حدّثاني عن فلان وفل *
وليس فل مرخماً من فلان خلافاً للفراء. وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل. وقرأ الحسن «يا ويلتي » بالياء الصريحة، وقرأ الدوري بالإمالة. قال أبو علي : وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء، فأبدلت الكسرة فتحة، والياء تاء فراراً من الياء، فمن أمال رجع إلى الذي فرّ منه.
وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد هكذا : قال حدّثنا محمد بن عمار بن الحارث مأمول، حدّثنا حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد به.
وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل بسندٍ، قال السيوطي : صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش : صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلاً، فقال لامرأته : ما فعل محمد مما كان عليه ؟ فقالت : أشدّ ما كان أمراً، فقال : ما فعل خليلي أبو معيط ؟ فقالت : صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط، فحياه، فلم يردّ عليه التحية، فقال : مالك لا تردّ عليّ تحيتي ؟، فقال : كيف أردّ عليك تحيتك وقد صبوت ؟ قال : أو قد فعلتها قريش ؟ قال نعم، قال : فما يبريء صدورهم إن أنا فعلته ؟ قال : تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم، ففعل فلم يردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال :«إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراً»، فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه : أخرج معنا، قال : وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً، فقالوا : لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين، وحمل به جمله في جدود من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيراً في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال : أتقتلني من بين هؤلاء ؟ قال :«نعم بما بزقت في وجهي»، فأنزل الله في أبي معيط : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ إلى قوله : وَكَانَ الشيطان للإنسان خَذُولاً . وأخرج أبو نعيم هذه القصة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكر أن خليل أبي معيط : هو أبيّ بن خلف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضاً في قوله : يَوْمٍ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ قال : أبيّ بن خلف وعقبه بن أبي معيط، وهما الخليلان في جهنم.
وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين قال : كان عدوّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو جهل، وعدوّ موسى قارون، وكان قارون ابن عمّ موسى. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : قال المشركون : لو كان محمد كما يزعم نبياً، فلم يعذبه ربه ؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ينزل عليه الآية والآيتين، والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة إلى وَأَضَلُّ سَبِيلاً . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس : لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ قال : لنشدد به فؤادك ونربط على قلبك وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً قال : رسلناه ترسيلاً، يقول : شيئاً بعد شيء وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ يقول : لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة، ثم سألوك لم يكن عنده ما يجيب، ولكنا نمسك عليك، فإذا سألوك أجبت.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني