المعنى الجملي : بعد أن ذكر مقالاتهم الباطلة، وتعنتهم الظالم في الرسول من نحو قولهم :" لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا "، وقولهم " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق "، وقولهم في القرآن :" إن هو إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون "، وقولهم فيه :" إن هو إلا أساطير الأولين اكتتبها "، أعقب ذلك بشكاية الرسول إلى ربه بأن قومه قد هجروا كتابه، ولم يلتفتوا إلى ما فيه من هداية لهم، ورعاية لمصالحهم في دينهم ودنياهم، ثم سلاه سبحانه على ذلك بأن هذا ليس دأب قومك فحسب، بل إن كثيرا من الأمم قد فعلوا مع رسلهم مثل هذا، فاقتد بأولئك الأنبياء ولا تجزع، ثم وعده وعدا كريما بأن يهديه إلى مطلبه، وينصره على عدوه، وكفى به هاديا ونصيرا.
الإيضاح : ثم سلى رسوله على ما يلاقيه من الشدائد والأهوال، بأن له في سلفه من الأنبياء قبله أسوة بقوله :
وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك ما يتقولون من الترهات والأباطيل ويفعلون من السخف ما يفعلون جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين سلفوا وأوتوا من الشرائع ما فيه هدى للبشر - أعداء لهم من شياطين الإنس والجن، وكانوا لهم بالمرصاد، وقاوموا دعوتهم{ وكان حقا علينا نصر المؤمنين( الروم : ٤٧ ).
فلا تجزع أيها الرسول فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا، قال ابن عباس : كان عدو النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى.
ونحو الآية قوله : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زُخرف القول غرورا ( الأنعام : ١١٢ ).
ثم وعده بالهداية والنصر والتأييد وغلبته لأعدائه فقال :
وكفى بربك هاديا ونصيرا أي وكفاك ربك هاديا لك إلى مصالح الدين والدنيا، وسيبلغك أقصى ما تطلب من الكمال، وسينصرك على أعدائك، وستكون لك الغلبة عليهم آخرا، فلا يهولنك كثرة عددهم، فإني لا محالة جاعل كلمة الله هي العليا وكلمة أعدائه هي السفلى، فاصبر لأمري، وامض لتبليغ رسالتي، حتى يبلغ الكتاب أجله.
تفسير المراغي
المراغي