النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة».
ثم بين علة هذا التمني بقوله:
(لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي) أي لقد أضلنى عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءنى من ربى.
ثم أخبر عن طبيعة الشيطان ودأبه فقال:
(وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا) أي وكان من عادة الشيطان أن يخذل الإنسان فيصرفه عن الحق ويدعوه إلى الباطل ثم لا ينقذه مما يحل به من البلاء، ولا ينجيه منه.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١)
المعنى الجملي
بعد أن ذكر مقالاتهم الباطلة، وتعنتهم الظالم فى الرسول من نحو قولهم: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، وقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق، وقولهم فى القرآن: إن هو إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وقولهم فيه: إن هو إلا أساطير الأولين اكتتبها- أعقب ذلك بشكاية الرسول إلى ربه بأن قومه قد هجروا كتابه، ولم يلتفتوا إلى ما فيه من هداية لهم، ورعاية لمصالحهم فى دينهم ودنياهم، ثم سلاه سبحانه على ذلك بأن هذا ليس دأب قومك فحسب، بل إن كثيرا من
الأمم قد فعلوا مع رسلهم مثل هذا، فاقتد بأولئك الأنبياء ولا تجزع، ثم وعده وعدا كريما بأن يهديه إلى مطلبه، وينصره على عدوه، وكفى به هاديا ونصيرا.
الإيضاح
(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) أي وقال الرسول مشتكيا إلى ربه: رب إن قومى الذين بعثتني إليهم لأدعوهم إلى توحيدك، وأمرتنى بإبلاغه إليهم، قد هجروا كتابك، وتركوا الإيمان بك، ولم يأبهوا بوعدك ووعيدك، بل أعرضوا عن استماعه واتباعه.
وفى ذكره ﷺ بلفظ (الرَّسُولُ) تحقيق للحق، ورد عليهم، إذ كان ما أورده قدحا فى رسالته صلى الله عليه وسلم.
ثم سلى رسوله على ما يلاقيه من الشدائد والأهوال، بأن له فى سلفه من الأنبياء قبله أسوة بقوله:
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك ما يتقولون من التّرهات والأباطيل ويفعلون من السخف ما يفعلون- جعلنا لكل نبى من الأنبياء الذين سلفوا وأوتوا من الشرائع ما فيه هدى للبشر- أعداء لهم من شياطين الإنس والجن، وكانوا لهم بالمرصاد، وقاوموا دعوتهم، َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ».
فلا تجزع أيها الرسول فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا قال ابن عباس: كان عدو النبي ﷺ أبا جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى.
ونحو الآية قوله: «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً».
ثم وعده بالهداية والنصر والتأييد وغلبته لأعدائه فقال:
(وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً) أي وكفاك ربك هاديا لك إلى مصالح الدين
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي