ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا٣١ :
وإذا لم يكن للرسول أعداء، فلماذا جاء ؟ لو انتظرنا من الجميع ساعة يأتي الرسول أن يصدقوه ويؤمنوا به إذن : فلماذا جاء الرسول ؟ لا يأتي الرسول إلا إذا طم الفساد وعم، كما أننا لا نأتي بالطبيب إلا إذا حدث مرض أو وباء.
وهؤلاء القوم كانت لهم سيادة ومكانة، وقد جاء الإسلام ليسوي بين الناس، ويسلب هؤلاء سيادتهم، فلا بد أن يقفوا منه موقف العداء، وهذا العداء هو حيثية وجود الرسول فيهم. وليس النبي صلى الله عليه وسلم بدعا في ذلك، فما من نبي إلا وكان له أعداء، مع أن الأنبياء السابقين كان النبي منهم في فترة زمنية محدودة وفي مكان محدود.
أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت رسالة عامة في الزمان وفي المكان، ولا بد أن يتناسب العداء- إذن- مع انتشار الرسالة وعمومها في الزمان والمكان إلى قيام الساعة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يوطن نفسه ذلك.
وكلمة( عدو ) من الكلمات التي تطلق مفردة وتشمل المثنى والجمع، ومن ذلك قوله على لسان سيدنا إبراهيم : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ٧٧ ( الشعراء ).
وفي سورة الكهف : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو... ٥٠ ( الكهف )، ولم يقل : أعداء.
وفي بعض الآيات تأتي بصيغة الجمع كما في قوله تعالى : واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم... ١٠٣ ( آل عمران ) : فلو كانت قضية لغوية لجاءت بصيغة المفرد في كل الآيات.
لكن لماذا عدل القرآن هنا عن صيغة المفرد إلى صيغة الجمع ؟.
قالوا : إن كانت العداوة من المفرد والمثنى والجمع عداوة واحدة قال ( عدو ) بصيغة المفرد لاتحاد سبب العداوة، فإن كانت العداوات مختلفة : هذا يعاديك لشرفك، وهذا يعاديك لعلمك، وهذا يعاديك لمالك، فتعددت أسباب العداوة قال( أعداء ) أما في مسألة الإيمان واليقين بالنسبة للكافرين فالعداوة واحدة، لكن في أمور الدنيا العداوات متعددة : هذا يعاديك لكذا، وهذا يعاديك لكذا ؛ لأنه مخالف لهواه.
وحينما تحدثنا عن قوله تعالى : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم... ٦١ ( النور ) : كلها بصيغة الجمع إلا في قوله تعالى : أو صديقكم... ٦١ ( النور ) : بصيغة المفرد، لماذا ؟ لأن صداقة المؤمنين ينبغي ألا تكون إلا لمعنى واحد، هو الحب لله، وفي الله، لا ينبغي أن يكون لك صديق لكذا وصديق لكذا.
وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " ١.
فإذا كان أصدقاؤك يحبونك لله، فهم جميعا كصديق واحد.
وقوله تعالى : وكذلك... ٣١ ( الفرقان ) : يعني : كأعدائك الذين اتخذوا القرآن مهجورا، والذين وقفوا منك موقف التعنت والإيذاء والسخرية.
جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين... ٣١ ( الفرقان ) : أي : الذين يجرمون يعني : يرتكبون الجرائم، وهي المعاصي والذنوب حسب مدلولاتها.
الحق- تبارك وتعالى – حينما يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة أعدائه، وأنهم كثيرون، وأنهم مجرمون إنما ليوطن نفسه على ذلك، فلا يفاجأ به، ويتحمل أذاهم إن أصابوه بسوء. وهذه المسألة كالمصل والتحصين الذي يعطونه للناس لمواجهة المرض قبل حدوثه، فالحق سبحانه يعطي رسوله المناعة اللازمة لمواجهة أعداء الدعوة.
لذلك نجد " تشرشل " القائد البريطاني الذي ساس الحرب العالمية الثانية كان يواجه جنوده بالحقائق أفظع مما هي في الواقع ومهما واجههم من مصاعب قال لهم ما زال هناك المزيد منها، حتى إذا ما حدث ذلك كانوا على استعداد له.
وقوله تعالى : وكفى بربك هاديا ونصيرا٣١ ( الفرقان ) : أي : أن الله تعالى سيهديك إلى الطريق الذي بمقتضاه تنتصر على هؤلاء جميعا. وسبق أن ذكرنا عن الفاروق عمر- رضي الله عنه – أنه حينما نزل قوله تعالى : سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥ ( القمر ) : قال : أي جمع هذا ؟ يعني تعجب كيف سنهزم هؤلاء ونحن الآن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا ؟ ولا نبيت إلا في السلاح، ولا نصبح إلا في السلاح نخاف أن يتخطفنا الناس، فلما وقعت بدر وهزم المشركون وحصدت أرواح صناديدهم قال : صدق الله : سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥
( القمر )٢.
كيف حدث هذا ؟ حدث من هداية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى أسباب النصر، والحق- تبارك وتعالى- ينصر الشيء وينصر بضده، وقد اجتمع في بدر سادات قريش وأقوياؤها وأغنياؤها وصناديد الكفر بها، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه مكة، قد ألقت إليكم أفلاذ٣ كبدها " ٤، وقد خرجوا جميعا على حال الاستعداد للحرب، أما المؤمنون فقد كانوا قلة مستضعفين على غير استعداد للحرب، ومع ذلك نصرهم الله.
والحق سبحانه يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.... ٢٤٩ ( البقرة ).
وقال تعالى : وإن جُنْدَنا لهم الغالبون١٧٣ ( الصافات ).
وقال تعالى : أولم يروا أنّا نأتي الأرضَ نَنْقُصها من أطرفها.. ٤١ ( الرعد ) : أي : ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، والحق سبحانه أخبرنا بقضايا يجب أن توجد أحداث في الحياة والواقع خادمة لتصديق هذه القضايا.

١ حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه(١٦) وكذا مسلم في صحيحه (٤٣) كلاهما في كتاب الإيمان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه..
٢ أورد ابن كثير في تفسيره وعزاه لابن أبي حاتم (٤/٢٦٦) عن عكرمة قال: " لما نزلت :سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥(القمر) قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي: أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" فعرفت تأويلها يومئذ"..
٣ الفلذة : القطعة من الكبد واللحم والمال والذهب والفضة. والجمع أفلاذ. وفي حديث بدر: "هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها" أراد صميم قريش ولبابها وأشرافها، كما يقال: فلان قلب عشيرته؛ لأن الكبد من أشرف الأعضاء"(لسان العرب-مادة: فلذ)..
٤ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/٤٣)، وأورده ابن هشام في السيرة النبوية (٢/٦١٧) عن عروة بن الزبير..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير