ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

ولاشتراكهما في النبوّة قيل لهما : اذهبا إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا ، وهم فرعون وقومه، والآيات هي التسع التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهارون بالذهاب بل كان التكذيب بعد ذلك، لكن هذا الماضي بمعنى المستقبل على عادة إخبار الله : أي اذهبا إلى القوم الذين يكذبون بآياتنا. وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل : يجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا. وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال، أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري : وقوله تعالى في موضع آخر : اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى [ طه : ٢٤ ] لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين، فكل واحد مأمور. ويمكن أن يقال : إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعاً فدمرناهم تَدْمِيراً في الكلام حذف : أي فذهبا إليهم، فكذبوهما فدمرناهم : أي أهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكاً عظيماً. وقيل : إن المراد بالتدمير هنا : الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدّة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون وَزِيراً قال : عوناً وعضداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فدمرناهم تَدْمِيراً قال : أهلكناهم بالعذاب. وأخرج ابن جرير عنه قال : الرسّ قرية من ثمود. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الرسّ بئر بأذربيجان، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس، أنه سأل كعباً عن أصحاب الرسّ قال : صاحب يس الذي قال : قَالَ يَا قَوْم اتبعوا المرسلين [ يس : ٢٠ ] فرسه قومه في بئر بالأحجار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن أوّل الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلاّ ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية غدوا على النبي، فحفروا له بئراً، فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها، فيدلي طعامه وشرابه، ثم يردّها كما كانت، فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته، وفرغ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه ذهب فتمطى، فتحوّل لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلاّ أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية، فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً، وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده، وقد كان بدا لقومه فيه بدّ فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه، وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل ؟ فيقولون : ما ندري حتى قبض ذلك النبي، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك، إن ذلك الأسود لأوّل من يدخل الجنة»
قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراجه : وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجاً. انتهى. الحديث أيضاً مرسل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال : القرن مائة وعشرون عاماً. وأخرج هؤلاء عن قتادة قال : القرن سبعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة قال : القرن مائة سنة. وقد روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«القرن مائة سنة»، وقال :«القرن خمسون سنة»، وقال :«القرن أربعون سنة». وما أظنه يصح شيء من ذلك، وقد سمى الجماعة من الناس قرناً كما في الحديث الصحيح :«خير القرون قرني» وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معدّ ابن عدنان أمسك، ثم يقول :«كذب النسابون» قال الله : وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية قال : هي سدوم قرية لوط التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء قال : الحجارة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : أَرَءَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ قال : كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه رمى به وعبد الآخر، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال : ذلك الكافر لا يهوى شيئاً إلاّ اتبعه.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية