ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

قوله : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا تقدم نظيره في سبحان(١).
قوله : لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا جوابها محذوف، أي : لضللنا(٢) عن آلهتنا. قال الزمخشري : و «لولا » في مثل(٣) هذا الكلام جار(٤) من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم ( المطلق )(٥) (٦).

فصل


قال المفسرون : إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مستهزءاً :«أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً » «إنْ كَادَ » قد كاد «لَيُضِلُّنَا » أي : قد قارب أن يضلنا(٧) عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي :( أي لو لم نصبر عليها ) (٨) انصرافا(٩) عنها، وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً من أخطأ طريقا(١٠)ً. ( واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما : الاستهزاء، فيقولون : أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته(١١) والأول باطل، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان أحسن منها صورة وخلقة ) (١٢)، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه - عليه الصلاة والسلام - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عليه الصلاة والسلام - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم(١٣) قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على ( أنه ليس للمبطل في كل الأوقات ) (١٤) إلا السفاهة والوقاحة.
والنوع الثاني : قولهم : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد ( الوقاحة )(١٥) (١٦).
قوله :«من(١٧) أضل » جملة استفهامية معلقة ب «يَعْلَمُون » فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها(١٨) إن كانت على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى ( عرف )(١٩) (٢٠). ويجوز في «من » أن تكون موصولة، و «أَضَلَّ » خبر مبتدأ مضمر هو العائد على «من » تقديره : من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة(٢١) بالتمييز، كقولهم : ما أنا بالذي(٢٢) قائل لك سوءاً(٢٣). وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج(٢٤) إلى تقدير ثان(٢٥) ولا حاجة إليه.

فصل


لما وصفوه بالإضلال في قولهم : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا بين تعالى أنه سيظهر لهم(٢٦) من المضل ومن الضال(٢٧) عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص(٢٨) لهم منه(٢٩)، فقال : وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ(٣٠) العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ، وهذا وعيد شديد على التعامي(٣١) والإعراض عن الاستدلال والنظر(٣٢).
١ عند قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره من الآية (٧٣). (إن) هذه فيها المذهبان المشهوران، مذهب البصريين أنها مخففة من الثقيلة، واللام فارقة بينها بين (إن) النافية، ولهذا دخلت على فعل ناسخ. ومذهب الكوفيين أنها بمعنى (ما) النافية واللام بمعنى (إلا). انظر اللباب ٥/٣٠١..
٢ في ب: أضللنا..
٣ مثل: سقط من ب..
٤ في ب: جاز. وهو تصحيف..
٥ الكشاف ٣/٩٨..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ في ب: أو ليضلنا..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ في ب: انصرفنا..
١٠ انظر البغوي ٦/١٨٠..
١١ في ب: أو بحقيقته..
١٢ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
١٣ في ب: مواقحتهم..
١٤ ما بين القوسين في ب: أن المبطل ليس..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٥..
١٦ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٧ في الأصل: ومن. وهو تحريف..
١٨ في ب: مفعولهما. وهو تحريف..
١٩ انظر البحر المحيط ٦/٥٠٠-٥٠١..
٢٠ ما بين القوسين في ب: حرف. وهو تحريف..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٥٠١..
٢٢ في ب: الذي..
٢٣ هذا قول من أقوال العرب على ما ذكر النحاة، والشاهد فيه حذف الضمير العائد على الذي، والأصل: ما أنا الذي هو قائل لك سوءا، انظر الكتاب ٢/١٠٨، ٤٠٤. يجوز حذف العائد المرفوع بشرطين إذا كان مبتدأ غير منسوخ، وكان مخبرا عنه بمفرد، ولا يكثر الحذف للضمير المرفوع في صلة غير (أي) عند البصريين إلا إن طالت الصلة إما بمعمول الخبر أو بغيره، سوءا تقدم المعمول على الخبر نحو (وهو الذي في السماء إله)، أو تأخر نحو قولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءا؛ حكاه الخليل، ويستثنى من اشتراط الطول: لا سيما زيد، فإنهم جوزوا في زيد إذا رفع أن تكون (ما) موصولة، وزيد مبتدأ محذوف وجوبا والتقدير: لا سي الذي هو زيد، فحذف العائد وجوبا ولم تطل الصلة والكوفيون لا يشترطون في حذف العائد المرفوع استطالة الصلة. انظر شرح التصريح ١/١٤٣ – ١٤٤..
٢٤ في ب: يحتاج..
٢٥ أي إلى مفعول ثان..
٢٦ لهم: سقط من ب..
٢٧ في ب: الضلال. وهو تحريف..
٢٨ في ب: لا يختص. وهو تحريف..
٢٩ في ب: له عنه. وهو تحريف..
٣٠ في ب: نزول. وهو تحريف..
٣١ في النسختين: العامي. والتصويب من الفخر الرازي..
٣٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية