ثم يتناقضون مع أنفسهم، فيقولون :
إن كاد ليضلنا عن ءآلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا٤٢ :
فكيف تستهزئون به وترونه دون مستوى الرسالة، ثم تقولون إنه كاد أن يضلكم عن آلهتكم يعني : قرب أن يضلكم عن آلهتكم، مع ما أنتم عليه من التعنت والعناد ؟ هذا دليل وشهادة لرسول الله أنه قوي وأنه على مستوى الرسالة، وأنه لم يدخر وسعا في دعوتكم، حتى كاد أن يصرفكم عن آلهتكم.
والدليل على أنهم كانوا يخافون من تأثير رسول الله عليهم قولهم لأتباعهم إذا رأوهم يستمعون للقرآن : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون٢٦ ( فصلت ) : إذن : يريدون أن يشوشوا على القرآن لما يعلمون من تأثيره في النفوس، وهم أمة فصاحة وبلاغة، فإن سمعوا القرآن فلا بد أن يؤثر في قلوبهم ويجذبهم إليه.
ألا ترى قصة إسلام عمر – رضي الله عنه – وكيف كان قبل الإسلام شديدا جبارا ؟ فلما تهيأت له الفرصة فاستمع للقرآن وصادف منه ملكة سليمة وفطرة نقية، حيث أعاده حادث ضربه لأخته وشجه لها، أعاده إلى سلامة الفطرة والطوية، فلما سمع منها القرآن وصادف منه قلبا نقيا وفطرة سليمة تأثر به، فأسرع إلى رسول الله يعلن إسلامه.
إذن : فقولكم : إن كاد ليضلنا عن آلهتنا... ٤٢ ( الفرقان ) : دليل على أنه كفء للمهمة التي بعث بها، وهذا يناقض قولكم سخرية منه واستهزاء : أهذا الذي بعث الله رسولا٤١ ( الفرقان ).
وقولهم : لولا أن صبرنا عليها... ٤٢ ( الفرقان ) : يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فعل معهم أفعالا اقتضت منهم أن يصبروا١ على الضلال وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا٤٢ ( الفرقان ) : سيعرفون ذلك، لكن بعد فوات الأوان، وبعد ألا تنفعهم هذه المعرفة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي