ثم يوجه رب العزة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم :
قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ :
في آية أخرى يقو تعالى : أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون٤٠ ( الطور ) :
يعني : غير قادرين على دفع الثمن ؛ لأنهم بخلاء وعندهم كزازة١ ؟ أو لا يريدون أن يخرجوا من جيوبهم شيئا تنتفع أنت به ؟ مع أنك لم تسألهم أجرا، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجرا ؟
قالوا : نعم ؛ لأنه إذا قدم إنسان لإنسان شيئا نافعا، فعليه أن يدفع له أجرا بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم : لقد قدمت إليكم جميلا يفترض أن لي عليه أجرا، لكني لا أريد منكم أجرا، والمسألة من عندي تفضل.
وما هو الأجر ؟ الأجر : جعل يقابل عملا، والثمن : جعل يقابل تملكا، وقيمة هذا الجعل تختلف باختلاف مشقة العمل، وطول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه العمل.
فكل مسألة من هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلا تحتاج إلى ( شيال ) يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت سيارة وسرت بها مسافة فلا بد أن الأجر سيزيد ؛ لأنه أخذ مجهودا ووقتا أكثر، فإن احتجت مثلا سباكا ليصلح لك شيئا فسوف ترى ما في هذا العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه.
وربما كان العمل في نظرك بسيطا لا يستغرق وقتا، لكنه يحتاج إلى مهارة، هذه المهارة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة عوامل من التعلم والخبرة حتى وصل صاحبها إلى هذه المهارة.
فالمهندس مثلا الذي يصمم لك منزلك في ساعة أو ساعتين، ومع ذلك يطلب مبلغا كبيرا، لماذا ؟ لأنه لا يتقاضى أجرا على هذا الوقت، إنما على سنوات طويلة من الدراسة والمجهود والتحصيل، حتى وصل إلى هذه المهارة.
إذن : كل أجر يقدر بما يقابله من عمل، ويتناسب مع ما يقاضيه العمل من وقت ومجهود ومشقة ومخاطرة ومهارة.... إلخ.
وإذا كان الأمر كذلك فانظروا إلى عمل الرسول وإلى مدى إفادتكم من رسالته، انظروا إلى المنهج الذي جاءكم به، وكيف أنه يريحكم مع أنفسكم، ويريحكم مع المجتمع، ويريحكم مع ربكم عز وجل، ويريحكم من شرور أنفسكم، ومن شرور الناس جميعا.
إذن : للرسول عمل كبير ومجهود عظيم، لو قدرت له أجرا لكان كذلك عظيما. إن الإنسان إذا أجر مثلا حارسا يحرسه بالليل، كم يدفع له ؟ فالنبي يأتيك بمنهج يحرسك ويحميك في نفسك وفي مالك وفي عرضك وفي كل ما تملك، ولا يحميك من فئة معينة إنما يحميك من الناس أجمعين.
بل إن حماية منهج الله لك لا تقتصر على الدنيا، إنما تتعدى إلى الآخرة، فتحميك فيها حماية ممتدة لا نهاية لها، فإن قدرت لهذه الحماية أجرا، فكم يكون ؟.
إنما أنا أقول لك : لا أريد أجرا، لا كراهية في الأجر، بل لأنك أنت أيها الإنسان لا تستطيع تقدير هذا العمل أو تقديم الأجر عليه، أما الذي يقدر ذلك فهو ربي الذي بعثني، وأنت أيها العبد مهما قدمت لي من أجر على ذلك فهو قليل.
وحكينا قصة الرجل الطيب الذي قابلناه في الجزائر، يقف على الطريق يلوح لسيارة تحمله، فوقفنا وفتحنا له الباب ليركب معنا، وقبل أن يركب قال : بكم ؟ يعني : الأجرة. فقال له صاحبي : لله، فقال الرجل : إذن فهي غالية جدا. هذا هو المعنى في قوله تعالى : إن أجري إلا على الله.... ٢٩ ( هود ).
وفي موضع آخر يقول سبحانه : إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين٧٢ ( يونس ) فما العلاقة بين الأجر وبين وأمرت أن أكون من المسلمين٧٢ ( يونس ) ؟.
كان المسلم ينبغي عليه أن يعمل العمل، لا لمن يعمل له، ولكن يعمله لله ليأخذ عليه الأجر الذي يناسب هذا العمل من يده تعالى، إنما إن أخذه من صاحبه فهو كالذي " فعل ليقال وقد قيل " وانتهت المسألة، وربما حتى لا يشكر على عمله.
لذلك وردت هذه العبارة على ألسنة كل الرسل : وما أسألكم عليه من أجر.... ١٠٩ ( الشعراء ). وليس هناك آية طلب فيها الأجر الظاهر إلا هذه الآية التي نحن بصددها : قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ( الفرقان ).
وقوله تعالى : إلا المودة في القربى.... ٢٣ ( الشورى ).
ومعنى : إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ( الفرقان ) : أي : سبيلا للمثوبة، وسبيلا للأجر من جهاد في سبيل الله، أو صدقة على الفقراء.... إلخ.
وقوله : إلا من شاء.... ٥٧ ( الفرقان ) : تدل على التخيير في دفع الأجر، فالرسول لا يأخذ إلا طواعية، والأجر : أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ( الفرقان ) : من الجهاد والعمل الصالح، فكأن أجر الرسول العمل للغير، لتأخذ أنت الأجر من الله، فالرسول لا يأخذ شيئا لنفسه.
ونلحظ في آيات الأجر أنها جاءت مرة أجرا.... ٩٠ الأنعام )، ومرة٢ من أجر... ٥٧ ( الفرقان ) : والبعض يرى أن ( من ) هنا زائدة، وهذا لا يقال في كلام الله، عيب أن نتهم كلام الله بأن فيه زيادة، فكل حرف فيه له معناه.
وسبق أن ضربنا لمن هذه مثلا بقولنا : ما عندي مال، وما عندي من مال. فالأولى نفت أن يكون عندك مال يعتد به، لكن قد يكون عندك القليل منه، أما القول الثاني فيعني نفي المال مطلقا بداية مما يقال له مال، إذن : فأيهما أبلغ من النفي ؟ فمن هنا تفيد العموم.
لذلك يقول تعالى : أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير... ٧٢ ( المؤمنون ) : لماذا ؟ لأنه سيعطيك ويكافئك على قدره هو، وبما يناسب جوده تعالى وكرمه الذي لا ينفد، أما الإنسان فسيعطيك على قدره وفي حدود إمكاناته المحدودة.
ملحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء، وهي أحفل السور بذكر مسألة الأجر، حيث تعرضت لموكب الرسل، فذكرت ثمانية هم : موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
تلحظ أن كل هؤلاء الرسل٣ قالوا : إن أجري إلا على رب العالمين١٠٩ ( الشعراء ) : عدا إبراهيم وموسى عليهما السلام لم يقولا هذه الكلمة، لماذا ؟
قالوا : لأنك حين تطلب أجرا على عمل قمت به لا يكون هناك ما يوجب عليك أن تعمل له مجانا، فأنت لا تتقاضى أجرا إن عملت مثلا مجاملة لصديق، وكذلك إبراهيم- عليه السلام- أول ما دعا إلى الإيمان دعا عمه آزر، ومثل هذا لا يطلب منه أجرا، وموسى عليه السلام أول ما دعا دعا فرعون الذي احتضنه ورباه في بيته، ولو طلب منه أجرا لقال له : أي أجر وقد ربيتك٤ وو.... إلخ.
الآية الأخرى في الاستثناء هي قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى.... ٢٣ ( الشورى ) فكأن المودة في القربى أجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رسالته، لكن أي قربى : قربى النبي أو قرباكم ؟
لا شك أن النبي الذي يجعل حب القريب للقريب ورعايته له هو أجره، يعني بالقربى المسلمين جميعا، كما قال عنه ربه عز وجل : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم... ٦ ( الأحزاب ).
٢ - وردت(أجرا) في ٦آيات: (الأنعام: ٩٠)،(هود: ٥١)،(يس: ٢١)،(الشورى: ٢٣)،(الطور: ٤٠)،(القلم: ٤٦).
-ووردت(من أجر) في ١٠ آيات: (يونس: ٧٢)،(يوسف: ١٠٤)، (الفرقان: ٥٧)،(الشعراء، ١٠٩-١٢٧-١٤٥-١٦٤-١٨٠)،(سبأ: ٤٧)،(ص: ٨٦)..
٣ -قالها نوح في: (يونس: ٧٢)،(هود: ٢٩)،(الشعراء: ١٠٩).
-وقالها هود في: (هود: ٥١)،(هود: ٥١)،(الشعراء: ١٢٧)
-وقالها صالح في:(الشعراء: ١٤٥).
-وقالها لوط في: (الشعراء: ١٦٤).
-وقالها شعيب في: (الشعراء: ١٨٠)..
٤ ورغم أن موسى عليه السلام لم يطلب منه أجرا، لا مالا وملكا ولا غيره إلا أن فرعون امتن عليه بأنه الذي رباه، فقال:{ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين١٨(الشعراء)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي