الوعيد على فعل هذه الموبقات
" ومن يفعل ذلك يلق أثاما.
يضاعف له العذاب يوم القيامة.
و يخلد فيها مهانا ".
المناسبة :
إذا أمر القرآن بشيء ذكر فائدته وثمرته للعباد في الدارين. وكذلك إذا نهى عن شيء ذكر مضرته و سوء عاقبته عليهم فيهما١. فلما ذك في صدر الآية نفى تلك المعاصي عن عباد الرحمن الذي يفيد النهي عنها ذكر هذا الوعيد لبيان سوء عاقبتها و قبح أثرها.
نكتة استطرادية :
هذه هي سنة القرآن في التربية، وهي أنجح الطرق في جعل المأمور والمنهي، يمتثل للأمر والنهي من كل نفسه، ويعمل لتنفيذها بعقله وإرادته.
فالتربية التي تنبني على امتثال الأمر والنهي من غير المعصوم، والانقياد لهما انقيادا أعمى – مخالفة لتربية القرآن. والخير كله في اتباع القرآن، في جميع ما يفيده القرآن.
اسم الإشارة راجع للثلاثة المذكورة من قبل.
المفردات :
( يليق ) يقابل ويصادف. ( أثاما ). عقابا جزاء على إثمه فالآثام جزاء الإثم.
( يضاعف ) يزاد له على الأصل فيعذب عذابين أو أنواعا من العذاب.
( يخلد ) يبقى. وطول البقاء يسمى خلودا. كما قالت العرب في أثافي الصخور : خوالد، لطول بقائها بعد دروس الأطلال لا لدوام بقائها ؛ إذ لا دوام لها.
وعلى هذا قول المخبل السعدي :
الا رمادا هامدا دفعت عنه الرياح خوالد سحم
( المهان ) الذليل المحتقر الذي يفعل به ما يذله ويحقره.
التراكيب :
( يضاعف ) بدل من ( يلق )، بدل كل من كل. قال الخليل : لأن مضاعفة العذاب هي لقى الآثام.
و عندي٢أنه بدل بعض من كل، لأن لقى العذاب على تلك الآثام يكون في الدنيا والآخرة، ومضاعفة العذاب والخلود فيه تكون في الآخرة، و بهذا تكون الآية قد أفادت أن المرتكب لما تقدم من المعاصي – الشرك وقتل النفس والزنا – ينال جزاءه دنيا، وأخرى، وعذاب الآخرة المضاعف المستمر أشد وأبقى.
وهذا هو الجاري على سنة القرآن في التخويف بسوء عاقبة المعصية عاجلا وآجلا، والتنبيه على أن الآجل أشد وأفدح من العاجل.
المعنى :
ومن يأت هذه الأفعال ؛ فدعا مع الله إلها آخر، أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق، أو زنا، فإنه يلقى وينال جزاء معصيته في دنياه، وجزائها في أخراه ويكون عذابه عليها في الآخرة مضاعفا مزيدا عليه أنواع أخرى، ويستمر فيه باقيا ذليلا محقرا.
سر المضاعفة :
توجيه :
إنما ضوعف لأهل هذه الكبائر العذاب ؛ لأن كل كبيرة منها مضاعفة المفاسد والشرور.
ففي دعاء غير الله الجهل بالله، والكفر بنعمة الله، والإبطال لحق الله.
وفي قتل النفس تأييم، و تيتيم وتأليم لغير من قتل وفتح لباب شر بين أولياء القاتل والمقتول، وتعد على جميع النوع، وتهوين لهذا الجرم الكبير٣.
وفي الزنا جناية على النسل المقطوع، وعلى من أدخل عليهم من الزنا من ليس منهم، وعلى أصحاب الإرث في خروج حقهم لغيرهم، وغير ما ذكرنا في جميعها كثير، فكانت المضاعفة من باب جعل الجزاء من جنس العمل، وهو من مقتضى الحكمة والعدل.
تذكر :
يذكرنا القرآن بمضاعفة العذاب على كبائر الآثام، لنذكر عندما تحدثنا أنفسنا بالمعصية سواء عاقبتها، وتعدد شرورها، وتشعب مفاسدها، ومضاعفة العذاب بحسب ذلك عليها، لنزدرج وننكف، فنسلم من الشر المتراكم، والعذاب المضاعف، ونفوز بأجر التذكر و ثمرة التذكير.
جعلنا الله والمسلمين ممن انتفع بالذكرى، وسلم من فتن الدنيا والأخرى، بمنه وكرمه آمين.
٢ رأي الإمام، وبصره في اللغة..
٣ وقد ورد أن زوال الدنيا وما فيها أهون على الله من قتل نفس مؤمنة..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي