هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)
شرح الكلمات:
لا يشهدون الزور: أي لا يحضرون مجالسه ولا يشهدون بالكذب والباطل.
وإذا مروا باللغو: أي بالكلام السيء القبيح وكل مالا خير فيه.
مروا كراماً: أي معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن سماعه أو المشاركة، فيه.
وإذا ذكروا بآيات ربهم: أي إذا وعظوا بآيات القرآن.
لم يخروا عليها صماً وعمياناً: أي لم يطأطئوا رؤوسهم حال سماعها عمياً لا يبصرون ولا صماً لا يسمعون بل يصغون يسمعون ويعون ما تدعو إليه ويبصرون ما تعرضه.
قرة أعين: أي ما تقر به أعيننا وهو أن تراهم١ مطيعين لك يعبدونك وحدك.
واجعلنا للمتقين إماماً: أي من عبادك الذين يتقون سخطك بطاعتك قدوة يقتدون بنا في الخير.
يجزون الغرفة: أي الدرجة العليا في الجنة.
بما صبروا: أي على طاعتك بامتثال الأمر واجتناب النهي.
حسنت مستقرا ًومقاماً: أي صلحت وطابت مستقراً لهم أي موضع استقرار.
وإقامة.
ما يعبأ بكم ربي: أي ما يكثرث ولا يعتد بكم ولا يبالي.
لولا دعاؤكم: إياه، ودعاؤه إياكم لعبادته بذكره وشكره.
فسوف يكون لزاماً: أي العذاب لازماً أي لازماً لكم في بدر ويوم القيامة.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر صفات عباد الرحمن الذي تجاهله المشركون وقالوا: وما الرحمن فها هي ذي صفات عباده دالة عليه وعلى جلاله وكماله، وقد مضى ذكر خمس صفات:
والسادسة: في قوله تعالى والذين لا يشهدون الزور ١ الزور هو الباطل والكذب وعباد الرحمن لا يحضرون مجالسه ولا يقولونه ولا يشهدونه ولا ينطقون به وإذا مروا باللغو ٢ وهو كل عمل وقول لا خير فيه مروا٣ كراماً أي مكرمين أنفسهم من التلوث به، بالوقوع فيه.
والسابعة: في قوله تعال والذين إذا ذكروا بآيات ربهم أي إذا ذكرهم أحد بآيات القرآن كتاب ربهم عز وجل لم يحنوا رؤوسهم عليها صماً حتى لا يسمعوا مواعظها ولا عمياناً حتى لا يشاهدوا آثار آياتها بل يحنون رؤوسهم سامعين لها واعين لما تقوله وتدعو إليه مبصرين آثارها مشاهدين وقائعها متأثرين بها.
والثامنة: في قوله تعالى والذين يقولون أي في دعائهم ربنا هب لنا أي أعطنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين٤ أي ما تقر به أعيننا وذلك بأن نراهم يتعلمون الهدى ويعملون به طلباً لمرضاتك يا ربنا واجعلنا للمتقين من عبادك الذين يتقون سخطك
٢ اللغو: كل سقط من قول أو فعل فيدخل فيه الغناء واللهو وذكر النساء وغير ذلك من المنكر، وقال بعضهم اللغو كل قول أو عمل لم يحقق لك درهما لمعاشك ولا حسنة لمعادك.
٣ كراماً: أي معرضين منكرين لا يرضونه ولا يمالئون عليه ولا يجالسون أهله.
٤ قرة العين مأخوذ من القرّ وهو البرد إذ دموع الفرح باردة ودموع الحزن حارة قال الشاعر:
فكم تسخنت بالأمس عين قريرة
وقوت عيون دمعها اليوم ساكب
ومن ثم قالوا في الدعاء: اقر الله عينك أي: أفرحك.
بطاعتك بفعل أمرك وأمر رسولك واجتناب نهيك ونهي رسولك واجعلنا للمتقين إماما ١ أي قدوة صالحة يقتدون بنا في الخير يا ربنا. قال تعالى مخبراً عنهم بما أنعم به عليهم: أولئك أي السامون أنفساً العالون أرواحاً يجزون الغرفة وهي الدرجة العليا في الجنة بما صبروا على طاعة مولاهم، وما يلحقهم من أذى في ذات ربهم ويلقون فيها أي تتلقاهم الملائكة بالتهاني والتحيات تحية وسلاماً أي بالدعاء بالحياة السعيدة والسلامة من الآفات إذ هي حياة بلا ممات، وسعادة بلا منغصات. وقوله تعالى خالدين فيها أي في تلك الغرفة في أعلى الجنة حسنت مستقراً أي طابت موضع إقامة واستقرار. إلى هنا انتهى الحديث عن صفات عباد الرحمن وبيان جزائهم عند ربهم. وقوله تعالى: قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم أي قل يا رسولنا لأولئك المشركين المنكرين للرحمن ما يعبأ بكم ربي أي ما يكترث لكم أو يبالي بكم لولا دعاؤكم إياه أي عبادة من٢ يعبده منكم إذ الدعاء هو العبادة ما أبالي بكم ولا أكترث لكم. أما وقد كذبتم بي وبرسولي فلم تعبدوني ولم توحدوني وإذاً فسوف يكون العذاب٣ لزاماً وقد أذقتموه يوم بدر، وسوف يلازمهم في قبورهم إلى نشورهم، وسوف يلاحقهم حتى مستقرهم في جهنم.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- حرمة شهود الزور٤ حرمة شهادته.
٢- فضيلة الإعراض عن اللغو فعلاً كان أو قولاً.
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي
إن العواذل لسن لي بأمير
٢ إذ كانوا يدعونه تعالى في حال الشدة وعلى هذا فالمصدر مضاف إلى الفاعل و إياه معمول للدعاء.. المصدر، وجائز أن يكون معناه لولا دعاؤه إياكم لعبادته بذكره وشكره فيكون المصدر الذي هو الدعاء مضافاً إلى مفعوله وجواب لولا محذوف تقديره لم يعبأ بكم.
٣ قال الطبري: معناه عذاباً دائماً لازماً. وقيل: فقد كذبتم فسوف يكون تكذيبكم لزاماً لكم أي: جزاؤه وهو العذاب لهم والمعنى واحد وهو لزوم العذاب لهم من اجل تكذيبهم الذي منعهم من تزكية نفوسهم بالإيمان وصالح الأعمال.
٤ وفي الصحيح: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس وقال ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت".
٣- فضيلة تدبر القرآن وحسن الاستماع لتلاوته والاتعاظ بمواعظه والعمل بهدايته.
٤- فضيلة علو الهمة وسمو الروح وطلب الكمال والقدوة في الخير.
٥- لا قيمة للإنسان وهو أشرف الحيوانات لولا عبادته الله عز وجل فإذا لم يعبده كان شر الخليقة١.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري